حوار مع المؤرخ الإيراني پويا عالي مقام حول الثورة الإيرانية والحرب المتشابكة
حاوره: عثمان أمكور
في حواره مع مجلة أواصر، يتناول الدكتور "بويا علي مقام"، المؤرخ المتخصص في الشرق الأوسط الحديث بجامعة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أبعادًا عميقة وغير مسبوقة للثورة الإيرانية والحركة الخضراء التي تلتها. يفكك الدكتور علي مقام التصورات السائدة حول هذه الأحداث، مقترحًا رؤية أكثر تركيبًا تتجاوز التفسيرات.
يناقش الدكتور علي مقام في ضوء كتابه الاحتجاج على الثورة الإيرانية: الانتفاضة الخضراء (Contesting the Iranian Revolution: The Green Uprising) الصادر عن دار جامعة كامبردج العريقة عام 2020، فكرة أن الدين الإسلامي بطبيعته الغنية بالتعددية، أوسع من أن يُحتكر في إطار دولة واحدة، وأن ربطه بسلوكيات حكومية معينة يسيء إلى جوهره، كما يؤكد أن الإسلام يمكن أن يكون قوة تمكينية للأفراد في مواجهة القمع وليس مجرد أداة للحكم، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين الدين والسلطة في السياق الإيراني.
يُقدم الحوار منظورًا مغايرًا لمفهومي "النجاح والفشل" في الحركات الاحتجاجية، متناولًا الحركة الخضراء كمثال. فبدلًا من اعتبارها "فشلًا" لعدم تحقيق أهدافها المباشرة، يُبرز الدكتور علي مقام نجاحاتها المستمرة في تحطيم احتكار الدولة لرموز الشرعية، وإعادة برمجة هذه الرموز لاستخدامها في مقاومة الاستبداد.
كما تطرق الحوار بعمق إلى العلاقة المعقدة بين النظام الإيراني والقضية الفلسطينية، وكيف تحولت هذه القضية إلى سردية مركزية في جوهر الدولة الإيرانية. ويشرح كيف أن دعم طهران لتحرير فلسطين ليس مجرد موقف سياسي، بل يمثل جزءًا أساسيًا من شرعية النظام في المنطقة وفي أوساط معينة داخل إيران.
في سياق متصل، يناقش الدكتور بويا علي مقام، المؤرخ المتخصص، في حواره مع مجلة أواصر الأبعاد المعقدة للصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، متجاوزًا السرديات التقليدية، حيث يشير إلى أن قضية فلسطين تشكل جزءًا أساسيًا من شرعية النظام الإيراني، حيث استمدت الحكومة الإيرانية قوتها من تبنيها لتحرير فلسطين هدفًا مركزيًّا، هذا الدعم مكلف لإيران، ولكنه يعزز شرعيتها إقليميًا ويمنحها نفوذًا عسكريًا عبر حلفائها في المنطقة.
يؤكد علي مقام أن إسرائيل ترى في النظام الإيراني عدوًا مفيدًا في الوقت نفسه. فإسرائيل، بطبيعتها "كيان مبني للصراع والتوسع"، تستخدم وجود "أعداء محددين" كذريعة لشن حروبها وتبرير توسعاتها المستمرة. ويكشف أن إسرائيل لا تخفي أطماعها في تقسيم إيران أو تحويلها إلى "دولة فاشلة"، وأن أمن دول المنطقة يُعتبر ثانويًا أمام الأولوية الأميركية المتمثلة في ضمان أمن إسرائيل.
كما تطرق الحوار إلى مسألة تغيير النظام في إيران، موضحًا أن إسرائيل تسعى لـ"انهيار الدولة وتفكيك البلاد" وليس مجرد تغيير نظام. يكشف عن محاولات إسرائيل دفع جنرالات إيرانيين للانشقاق خلال الحرب الأخيرة، مما يؤكد سعيها لإحداث فوضى داخلية. ويقارن ذلك بغزو العراق عام 2003، حيث كان الهدف الحقيقي هو إسقاط صدام وتوسيع النفوذ الأميركي، مستخدمًا "البرنامج النووي" كذريعة، وهو ما ينطبق على الحالة الإيرانية.
ويرى علي مقام أن الولايات المتحدة هي صاحبة الكلمة الفصل في نهاية المطاف، رغم منحها إسرائيل حرية التصرف في بعض الأحيان. يكشف أن قرار القصف الإسرائيلي لإيران لم يكن ليحدث دون موافقة أميركية، وأن هناك عوامل داخلية أميركية، مثل اللوبي المؤيد لإسرائيل وانقسام قاعدة ترامب الجماهيرية، تؤثر على القرارات المتعلقة بالحرب.
يخلص علي مقام إلى أن الحرب بين إيران وإسرائيل صراع مستمر منذ عقود، لم ينتهِ بوقف إطلاق النار، بل يدخل فصولًا جديدة من التوتر والاغتيالات والقصف المتبادل. ويؤكد أن إيران، رغم طبيعتها الثورية، تظهر "عقلانية وبراغماتية" في تعاملاتها الدولية، وأن سعيها لامتلاك سلاح نووي، إذا حدث، سيكون بدافع الردع في ظل العقوبات والقصف المستمر الذي تتعرض له من قبل قوى نووية.
الدكتور بويا علي مقام هو مؤرخ بارز متخصص في الشرق الأوسط الحديث، وباحث مشارك في مبادرة الشرق الأوسط بكلية كينيدي بجامعة هارفارد. تتسع مجالات خبرته لتشمل الحركات الثورية، والسياسة الخارجية الأميركية، والاستشراق، و"الإسلام السياسي" وتقاطعات هذه الثيمات جميعًا. كم تُوجت أطروحته للدكتوراه بجائزة "ميرداد مشايخي" (Mehrdad Mashayekhi Dissertation Award) لعام 2016. فإلى الحوار:
سؤالي الأول ما هي الفكرة الرئيسية لكتابك؟
يسعدني أن أكون معكم وأتحدث إليكم. أود أن أقول إن كتابي يحمل عدة أفكار رئيسية، أهمها تحدي الرواية السائدة، خاصة بين الإيرانيين، التي تلقي باللوم على الإسلام فيما يحدث من أخطاء على يد الحكومة الإسلامية في إيران.
لقد سعيت إلى تقديم رؤية مركبة؛ عيشُ الإيرانيين تحت حكم حكومة إسلامية لمدة 30 عامًا لا يعني أن الإسلام محصور ضمن إطار الدولة. الإسلام بطبيعته أعظم من أن يُقيد بدولة؛ فمثل هذا التقييد يسيء إلى جوهر التعددية في الإسلام. لا يوجد في الفقه أو التشريع الإسلامي قانون مدوَّن أو مُشرّع يحدد بشكل قاطع معنى الإسلام أو الشريعة الإسلامية.
إن التاريخ الإسلامي غني بـ"التعددية"، ولذلك فإن حصر الإسلام وتعدديته في إطار الدولة يعد إساءة لتاريخ الإسلام وفقهه؛ لهذا أردت أن أقدم رؤية أكثر تركيبًا وأشجع الناس على رؤية الإسلام ليس كقوة قمعية باسم الحكومة، بل كقوة تمكينية للأفراد الذين يواجهون تلك الحكومة.
من الأفكار الأساسية الأخرى في كتابي كان دعوة الناس للتفكير أبعد من مفاهيم النجاح والفشل. فغالبًا ما وُصِفَتْ الحركة الخضراء (الانتفاضة ضد الحكومة الإيرانية)، بأنها "فشل" لعدم تمكنها من إلغاء فوز أحمدي نجاد عام 2009، أو الإطاحة بالدولة التي أيدت فوزه. لكنني سعيت لأبين أن هذه الحركة الاحتجاجية حققت نجاحات عديدة أخرى ستترك أثرها عبر الزمن.
الأمر لم ينتهِ بعد، فالتفكير بأن لحظة تاريخية تبدأ في يوم الانتخابات وتنتهي، على سبيل المثال، في 11 فبراير /شباط 2010 (اليوم الذي أصيبت فيه الحركة بالإحباط حقًا في ذكرى انتصار الثورة الإيرانية)، هو تفكير محدود. لقد حاولت أن أجعل الناس يدركون أن الأحداث لا تبدأ وتنتهي بالضرورة في تاريخ محدد، بل تتداخل وتتصل بتواريخ أخرى. فالثورة الإيرانية نفسها لم تبدأ في خريف عام 1977.
يتساءل الناس عن بداية الثورة، متى بدأت حقًا؟ دخل الخميني الساحة السياسية في الستينيات عندما ثار ضد الشاه وإصلاحاته وتم نفيه. لذلك يرى البعض أن تلك كانت بداية الثورة الإيرانية. في تلك اللحظة، عندما اعتُقل وقُتل الناس ونُفي، اعتبر الكثيرون ذلك فشلًا. لكن بعد 15 عامًا، عاد الخميني ليقود انتفاضة ثورية ضخمة، وانتصرت هذه الانتفاضة بعد 15 عامًا. لذا، في عام 2009، حاولت أن أقول: "بالتأكيد، بدأت الانتفاضة في يوم معين وتم قمعها في يوم آخر، لكنها لم تنتهِ حقًا، بل ستؤثر على تاريخ انتفاضات أخرى في المستقبل."
من أهم نجاحات الانتفاضة أنها حطمت احتكار الدولة لرموز الشرعية؛ أي دولة في العالم؛ كل حكومة لديها سرديات ورموز معينة تمنحها إحساسًا بالشرعية وحق الحكم. من رموز الشرعية للحكومة الإيرانية الحالية يتمثلُ في الإسلام بحد ذاته كرمز، وتاريخ الثورة الإيرانية.
كل هذه الرموز تم التنازع عليها من قبل الانتفاضة، وكمثالٍ آخر نجدُ فلسطين رمزًا آخر للحكومة الإيرانية، في الفصل الرابع من الكتاب، أوضح أن الحكومة الإيرانية لم تعتبر تحرير فلسطين مجرد رمز، بل شيئًا تسعى لتحقيقه عمليًا.
تنفق الحكومة الإيرانية الكثير من الأموال ورأس المال السياسي على تحرير فلسطين، وهذا أحد الأسباب الرئيسية للصراع الكبير بين إسرائيل وأميركا مع إيران، حيث إن البرنامج النووي مجرد ذريعة.
لكن هذا الدعم والسياسة الخارجية يختزلان لاحقًا إلى رموز محددة منتشرة في البلاد. فمثلًا، على العملة الإيرانية، تجد ميدان فلسطين في طهران، كما ترى قبة الصخرة الذهبية في القدس على ظهر العملة الإيرانية، وكذا تسمية آخر جمعة من رمضان يبوم القدس وذلك بعد أن سنَّ هذه السنة الخميني عام 1979، هذه كلها جزء من رموز الحكومة الإيرانية.
وبالتالي، فقد تنازعت الحركة في عام 2009 على ملكية هذه الرموز. لقد قامت الحركة إما بإلغاء تلك الرموز أو استولت عليها وأعادت برمجتها واستخدمتها ضد الدولة.
ما هي علاقة النظام الإيراني بالرموز الفلسطينية وكيف تحولت قضية فلسطين لسردية تسكن جوهر الدولة الإيرانية؟
تُعد القضية الفلسطينية -كما تعلمون- بالغة الأهمية لمعظم شعوب المنطقة، باستثناء بعض الحكومات بالطبع، التي لا تُعير فلسطين اهتمامًا، لكن الشعوب العربية والإسلامية كلها تهتم بفلسطين بشدة. كانت فلسطين محور اهتمام الجيل الذي أطلق الثورة الإيرانية عام 1979، وكانت مهمة لكل الفصائل المشاركة في الثورة: الإسلاميون والقوميون واليساريون ومجموعات حرب العصابات اليسارية على حد سواء.
لقد كانت هذه القضية مهمة لهم سواء على المستوى الإنساني، أو من منظور الثورة العالمية الثالثة، أو من الزاوية الإسلامية. وبالتالي، اهتم الجيل الذي صنع الثورة بفلسطين اهتمامًا بالغًا.
بعد ذلك، اتخذوا إجراءات معينة لتحويل هذا الاهتمام بفلسطين إلى سياسة خارجية؛ لتتحول بالفعل إلى سياسة خارجية، لكن الأمر يتعلق أيضًا بتقديم إيران نفسها على أنها البطل الأكبر لتحرير فلسطين، وذلك لتستمد الحكومة الإيرانية شرعيتها من أهمية قضية فلسطين للناس في جميع أنحاء العالم الإسلامي والعربي، وللفصائل المتعددة التي شكلت الثورة الإيرانية.
وقد قامت الحكومة الإيرانية بمأسسة هذا الاهتمام، ليس فقط بوصفه هدفًا للسياسة الخارجية تسعى إلى تحقيقه –وهي تفعل ذلك بالفعل– بل أيضًا كنقطة أساسية مفادها: "بما أننا أكبر مدافع عن تحرير فلسطين، فإذا كنتم تدعمون تحرير فلسطين، فعليكم أن تدعمونا نحن الحكومة". هناك حكومات في المنطقة تكتفي بتقديم وعود فارغة للقضية الفلسطينية، لكن الحكومة الإيرانية تفعل ما هو أكثر بكثير من مجرد الكلام.
يُعد هذا جزءًا من قدرة الحكومة الإيرانية على إقناع شعبها –على الرغم من اختلاف الوضع قليلًا الآن مقارنة بالعقود الماضية– بأنها تفعل شيئًا حيال هذا القلق الذي يشغل بال ملايين الإيرانيين.
ومع ذلك، أود أن أشير إلى أنه منذ عام 2009 فصاعدًا، تراجع اهتمام الإيرانيين بفلسطين مقارنة بما كان عليه في فترة الثورة الإيرانية. ففي زمن الثورة، كما ذكرت، اهتمت جميع الفصائل بتحرير فلسطين. أما اليوم، فأعتقد أن الإيرانيين أكثر انقسامًا.
جزء من هذا الانقسام يعود إلى سخطِ الكثيرين من الحكومة الإيرانية، وبالتالي لا يحبون أي شيء مرتبط بها، بما في ذلك فلسطين. في المقابل، هناك إيرانيون يدعمون الحكومة الإيرانية، ويهتمون بتحرير فلسطين لأنهم يرون فيها قضية إسلامية. ثم هناك مجموعة ثالثة لا تحب الحكومة الإيرانية، لكنها لا تزال تهتم بالفلسطينيين وتشعر بالتعاطف تجاههم كشعب مضطهد، لأنهم هم أنفسهم يعانون من الاضطهاد في إيران.
هل ترى أن الحكومة الإيرانية تؤمن حقًا بالقضية الفلسطينية وكيف يخدمون القضية الفلسطينية؟
بالتأكيد، إنهم يؤمنون بها حقًا، وبشكل قاطع؛ كانت فلسطين في صميم تأسيس النظام الإيراني، لأن مؤسسيه هم ذاتهم من قادوا الثورة. وليس من قبيل الصدفة أن ياسر عرفات، بعد خمسة أيام فقط من انتصار الثورة الإيرانية، تحديدًا في 15 أو 16 فبراير/ شباط، سافر إلى إيران دون دعوة وتلقى استقبال الأبطال. بل سُلمت القنصلية الإسرائيلية في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية لتكون أول سفارة لها في إيران. هذا يدل على أن الجيل الذي صنع الثورة اهتم بفلسطين اهتمامًا أصيلًا.
أرى اليوم أن الجهود الإيرانية كبيرة من أجل تحرير فلسطين، على الرغم من استياء الكثيرين داخل إيران، لا تزال تحقق فائدة للحكومة، لكن الحكومة الإيرانية في الوقت نفسه تدفع ثمنًا باهظًا بفعل دعمها للقضية الفلسطينية؛ فإيران تقدم نفسها للمنطقة بأسرها كدولة تهتم بفلسطين، وتعتبر نفسها البطل الرئيسي للتحرير الفلسطيني. ومن هذا المنطلق، تستمد الحكومة الإيرانية شرعيتها في المنطقة. هذا يعود بالنفع على الحكومة الإيرانية، من حيث نظرة الشارع العربي للإيرانيين. حتى أن بعض السوريين، الذين يكرهون الحكومة الإيرانية بسبب الحرب في سوريا، يقولون: "نحن لسنا أغبياء، نعرف ما فعلته إيران بنا عندما دعمت بشار الأسد، لكن في هذه الحرب بين إيران وإسرائيل، نحن نقف مع الإيرانيين." لا أقول إن كل السوريين يقولون ذلك، لكننا نرى فيديوهات تظهر هذا الرأي من سوريا. كما أن إيران قادرة على ممارسة نفوذها العسكري في المنطقة عبر دعمها لحماس، وحزب الله، والحوثيين، والحشد الشعبي في العراق.
كل هذا جزء من السياسة الخارجية الإيرانية، ولكنه أيضًا يكبدها تكلفة باهظة للغاية. هذه التكلفة الباهظة تنبع من محاولات الإسرائيليين والأميركيين خنق إيران، بسببِ هذه القضية الوحيدة؛ فالحكومة الإيرانية لديها الكثير من القواسم المشتركة مع أميركا. كلاهما لم يرغب في وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان، وكلاهما دعم حكومة كابول قبل طالبان في عام 2021.
أرادت كل من أميركا والإيرانيين سحق داعش في العراق وعملا معًا بشكل أساسي لأجلِ ذلك. حتى أن قناة فوكس نيوز في الولايات المتحدة اتهمت أوباما بالسماح للقوات الجوية الأميركية بأن تكون بمثابة القوات الجوية للحرس الثوري الإسلامي في العراق، لأن الأميركيين كانوا يقصفون داعش من الجو بينما كان الحرس الثوري الإيراني والحشد الشعبي يقاتلون داعش على الأرض لذا كانوا يعملون معًا.
لكن نقطة الخلاف الكبرى بينهما تكمن في إسرائيل، حيث يقفان على طرفي نقيض تمامًا. وهنا تدفع إيران ثمنًا باهظًا لدعمها تحرير فلسطين؛ فهي تستطيع الحصول على الشرعية في أعين شريحة مهمة من الإيرانيين داخل إيران، كما أنها قادرة على إظهار نفسها أمام العرب أنها حاملة لواء تحرير فلسطين في المنطقة.
لكن التكلفة التي تتكبدها هائلة؛ العقوبات الأميركية على إيران، وضغط إسرائيل المستمر على الولايات المتحدة لفرض العقوبات على إيران. ولنشهد في النهاية، قصف إسرائيل لإيران في 13 يونيو/حزيران، مع العلم أن البرنامج النووي لم يكن مجرد ذريعة.
الجميع يعلم أن البرنامج النووي الإيراني لا يزال برنامجًا مدنيًا ولم يتم تسليحه. وحتى لو اتخذت إيران قرارًا بإنشاء سلاح نووي، فستظل على بعد سنوات من ذلك. الإسرائيليون، مثل الأميركيين عندما غزوا العراق في عام 2003، استخدموا البرنامج النووي ذريعة لقصف إيران بهدف المساعدة في انهيار البلاد. والسبب الذي يجعلهم يريدون انهيار البلاد هو أن إيران تدعم الفلسطينيين وحزب الله وجميع القوى التي تقف ضد إسرائيل.
هل ترى أن دولة إسرائيل تكره النظام الإيراني، أم أنها تحتاج إليه لوجودها؟ أحيانًا تحتاج الدول والكيانات لعدو يمنحها سببًا لوجودها في هذه المنطقة.
يمكن أن يكون الأمران صحيحين في آن واحد؛ إسرائيل تكره النظام الإيراني، لكنها تجده مفيدًا لها. فإسرائيل، في جوهرها، كيان مبني للصراع؛ يتجلى ذلك في امتلاكها لكل هذه الأنظمة الدفاعية الصاروخية مثل "نظام ثاد" (THAAD) الأميركي، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية. لديها كل ما تحتاجه من الولايات المتحدة لشن الحروب.
إسرائيل كيان مبني على الصراع ولأجلِ الصراع، حدودها غير ثابتة لأنها تتوسع باستمرار. فهم دومًا يضعون خططًا لاستعمار قطاع غزة، ويواصلون بناء المزيد والمزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، ويتوغلون في العمق السوري، ولا يزالون يحتلون أجزاء من لبنان حتى خريف 2024.
إسرائيل كيان توسعي، مبني للحرب والتوسع، ولهذا السبب أقول دائمًا للدول العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع إسرائيل إنه في يوم من الأيام، ستتوسع إسرائيل على حساب حدودها لتبتلعَ تلك الدول، خاصة الأردن وربما سيناء، وشمال المملكة العربية السعودية.
لا يمكن لأحد التنبؤ بكيفية حدوث ذلك، لم نتوقع جميعًا أحداث 7 أكتوبر؛ فقد حدثت ومنحت إسرائيل الذريعة للتوسع في كل مكان. بعد مئة عام من الآن، قد يحدث شيء آخر، وتتوسع إسرائيل أكثر في الشرق الأوسط.
وبهذه الطريقة، فإن وجود أعداء محددين يمنح إسرائيل الذريعة لشن الحروب التي بنيت من أجلها، والتي استعدت لها لعقود. وفي الوقت نفسه، هي خائفة من إيران؛ لا يجب أن تأخذ كلامي على محمل الجد فحسب، بل استمع إلى ما يقوله الإسرائيليون أنفسهم، هم صريحون للغاية، وجريئون لدرجة أنهم يخبرونك علنًا بما يريدون؛ يخبرونك علنًا أنهم يريدون طرد الفلسطينيين ليس فقط من قطاع غزة، بل من الضفة الغربية أيضًا. والآن يقولون إنهم يريدون تقسيم إيران، حتى لو لم يعد برنامجها النووي موجودًا، والذي لا نزال لا نعرف مدى الضرر الذي لحق به.
يصرحون علانية بأن إيران بلد كبير جدًا، سواء جغرافيًا أو ديموغرافيًا، كما أن إيران بلد غني بموارده الهائلة من النفط والغاز، ولديه القدرة على أن يكون دولة غنية إذا لم تُفرض عليه عقوبات من قبل الولايات المتحدة. كما أنَّ إيران تتمتعُ بامتلاكها لعلماء وصناعة كاملة، وستظل دائمًا تهديدًا لهم، سواء ببرنامج نووي أو بدونه. لذلك، يعتقدون أنه سيكون من الجيد تقسيم إيران، أو إنشاء "دولة فاشلة" أخرى على غرار ما حدث لليبيا أو الصومال وهم لا يخفون هذه الأطماع.
وهذه هي المشكلة التي تواجهنا جميعًا نحن المهتمين بهذه المنطقة، وهي أن أمن شعوب المنطقة وأمن هذه الدول كلها ثانوية أمام أولوية أميركا المتمثلة في جعل أمن إسرائيل فوق كل شيء آخر. إن دولة ترتكب الإبادة الجماعية في غزة، تعتبر أفكارها ومشاعرها وإحساسها بالأمن أهم من حياة مئات الملايين من الناس في المنطقة.
هل تعني أن إسرائيل تريد تغيير النظام في إيران أم دولة إيرانية فاشلة؟
بالتأكيد، إسرائيل تسعى لتغيير النظام في إيران، وقد صرح بذلك نتنياهو علنًا؛ صحيفة الواشنطن بوست نشرت مقالًا كاملًا ومقطعًا صوتيًا يؤكد أن محاولاتهم تهدف إلى انهيار الدولة وتفكيك إيران.
إن مصطلح "تغيير النظام" شائع الاستخدام، لكن ما كانت إسرائيل تسعى إليه حقًا هو انهيار الدولة وتفكيك البلاد، وقد كشف تقرير الواشنطن بوست أن إسرائيل قتلت ثلاثة جنرالات إيرانيين في الساعات الأولى من حربها على إيران (نجا أحدهم لاحقًا، لكنهم ظنوا أنهم قتلوا ثلاثة). ثم اتصل الموساد الإسرائيلي بعشرين جنرالًا إيرانيًا آخر. تحدثوا إلى هؤلاء الجنرالات باللغة الفارسية، ولكن بصوت مشوش لا يمكن التعرف عليه.
في ذلك التسجيل، قال العميل الإسرائيلي: "يا جنرال فلان، نحن نعرف أين أنت. نتصل بك على هاتفك. لمنحك 12 ساعة لتسجيل شريط فيديو تعلن فيه انشقاقك عن الحكومة الإيرانية، ثم أرسل ذلك الفيديو إلينا على تلغرام على هذا هو العنوان، إذا لم تفعل ذلك، فنحن نعرف مكانك بالضبط، تمامًا كما قتلنا الجنرالات الثلاثة الآخرين، وسنقتلك أنت وزوجتك وأطفالك". لقد أرسلوا هذا المقطع إلى 20 جنرالًا آخر.
كانت الفكرة هي دفع هؤلاء الجنرالات، إلى تسجيل هذه الفيديوهات وإرسالها للإسرائيليين خوفًا على حياتهم. ثم يقوم الإسرائيليون بنشرها على وسائل إعلامهم، ليرى الإيرانيون أن الضربات تحدث وأن الجنرالات ينشقون، مما يدفعهم للانتفاض وإسقاط الدولة، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.
لم يسجل أي من الجنرالات مقطع فيديو واحد. وأعتقد أن العديد منهم قُتلوا بعد ذلك لرفضهم تسجيل الفيديو، بينما نجا بعضهم الذي استطاع الاختباء.
كانت النقطة الحقيقية المطروحة في الحرب هي تغيير النظام تمهيدًا لانهيار الدولة، تمامًا كما حدث للعراق عام 2003 لم تكن الحرب حول الأسلحة النووية أو الكيميائية، العراق لم يكن يمتلك شيئًا، وكنا جميعًا نعلم ذلك. أتذكر جيدًا أنه في تلك اللحظة، كان الجميع، بمن فيهم الأمم المتحدة، يشككون في الادعاء الأميركي بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. ثم شُنت الحرب ولم يعثروا على أي أسلحة. لكن الهدف كان إسقاط صدام، وتوسيع النفوذ الأميركي في العراق. وبالمثل كان البرنامج النووي الإيراني مدني، ذريعة لقصف إيران والمساعدة في إسقاط الدولة وتفكيك البلاد.
لم يتحقق ذلك بعد. لكن إسرائيل لا تزال تسعى له، فالحرب لم توقف بوقف إطلاق النار؛ قال الرئيس ترامب مؤخرًا: "يا رفاق، الحرب قد تبدأ مرة أخرى قريبًا". وأضاف: "إسرائيل قد تبدأ القصف مرة أخرى قريبًا". لا نعرف ما يعنيه ذلك، ولا نعرف إن كان صحيحًا. لكن الإسرائيليين أنفسهم صرحوا: "قد تكون الحرب قد انتهت، لكن الحملة ضد الحكومة الإيرانية لم تنتهِ". وهو ما يعني استمرارهم في محاولة إسقاط الدولة الإيرانية.
من يقود الحرب ضد إيران هل الإدارة الأميركية تستخدم إسرائيل ضد إيران أم إسرائيل هي من تقود الحرب ضد إيران وتستخدم الولايات المتحدة غطاءً لها؟
هذا سؤال معقد، ولا نملك إجابة قاطعة عنه، أعتقد أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى الأنماط التاريخية. عندما بدأت إسرائيل قصف إيران، قال ترامب إنه كان يعلم أن ذلك سيحدث، هذا يعني أنه كان على علم مسبق، ولم يقل "لا". لو قال ترامب "لا"، لما حدث القصف. لقد قال "نعم". السؤال الآن هو: لماذا قال "نعم"؟ وهذا سؤال مختلف.
بعد اثني عشر يومًا من بدء وقف إطلاق النار، أطلقت إيران صاروخين باليستيين على إسرائيل. لا نعرف من أين جاءا، هذا حدث بعد وقف إطلاق النار. زعمت إسرائيل أنهما جاءا من إيران، وكانت تستعد لقصف كبير لإيران بعد وقف إطلاق النار. حينها اتصل بهم ترامب وقال: "لا يمكنكم فعل ذلك عودوا أدراجكم"، وبالفعل عادوا.
لذا، تفسيرنا نحن العاملين في هذا المجال هو أن أميركا تمنح إسرائيل الكثير من المال والأسلحة، لكن في نهاية المطاف، ما تقوله أميركا هو الذي يسري، في بعض الأحيان، تسمح أميركا لإسرائيل بفعل ما تريده، لأن هناك ضغوطًا في الولايات المتحدة تدفع ترامب في اتجاه معين بفعلِ وجود اللوبي المؤيد لإسرائيل أيباك الذي يعد أقوى جماعة ضغط في الولايات المتحدة.
المثير للاهتمام بشأن ترامب هو أن قاعدته الجماهيرية كانت منقسمة حول تورط أميركا في هذه الحرب. عندما انتشرت إشاعة بأن ترامب سيقصف منشآت إيران النووية، انقسم مؤيدوه. بعضهم، وهم المسيحيون الإنجيليون يدعمون السياسة الخارجية الأميركية المتعلقة بإسرائيل، ويرون الإيرانيين على أنهم "ضد المسيح"، ويدعمون تورط أميركا ودعمها لإسرائيل. أما القطاع الآخر من قاعدته، فقد سئم من حروب أميركا في الشرق الأوسط. لا يريدون إنفاق الأموال الأميركية على حروب اختيارية، ولا يريدون نشر جنود أميركيين في حرب أخرى.
لذلك، كان موقفًا غريبًا حقًا أن نرى قبل بضعة أيام أشخاصًا مثل مارجوري تايلور جرين وستيف بانون وتاكر كارلسون ومات غايتس، يعارضون علنًا قصف أميركا لإيران لأنهم لم يرغبوا في حرب أخرى في الشرق الأوسط تقودها الولايات المتحدة. كان هذا وضعًا غريبًا، لكنه أوضح لنا أن قاعدة ترامب كانت منقسمة، وأنه أخذ ذلك في الاعتبار.
لذلك، للإجابة على سؤالك، ليس بالضرورة أن يملي الإسرائيليون على الأميركان ما سيفعلون في سياساتهم الخارجية، أو العكس، هناك العديد من المتغيرات. أحيانًا تفعل أميركا الكثير مما تريده إسرائيل، وفي أحيان أخرى كثيرة تقول أميركا: "لا" لإسرائيل، كما أن ترامب يهتم في كثير من الأحيان بما يفكر فيه ناخبوه. لذلك، من خلال الضرب على منشآت إيران النووية على الفور قال: "يا رفاق، لقد انتهى الأمر، السلام في متناول اليد"، كان يحاول جذب كلا الجانبين من قاعدته. جانب أراده أن يتدخل وفعل. والجانب الآخر لم يكن يريد حربًا أخرى في الشرق الأوسط لذا قال على الفور "هذه هي النهاية".
ذكرت أن الحرب لم تنته بعد، حتى لو كان هناك وقف إطلاق نار، هل هناك فصول أخرى لهذه الحرب؟
بوصفي مؤرخًا، أميل إلى النظر للتاريخ لفهم الحاضر، ولا أحبذ التوقعات؛ فقد رأيت الكثيرين يقدمون بثقة كبيرة توقعاتهم ثم تبدو سخيفة عندما لا تتحقق. ما أود تأكيده هو أن هناك صراعًا مستمرًا منذ عقود بين إسرائيل وإيران.
يعود هذا الصراع لعقود مضت؛ فإيران ساعدت في إنشاء حزب الله عندما غزت إسرائيل لبنان في عام 1982. وكان ذلك لعدة أسباب، أولها قتال الإسرائيليين في لبنان، وهو ما فعله حزب الله بالفعل من عام 1982 حتى عام 2000 عندما أُجبرت إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان.
كما ساعدت إيران في إنشاء حزب الله من أجل قضية التحرير فلسطين، هذا جزء لا يتجزأ من التاريخ الطويل للصراع بين إيران وإسرائيل. لقد ظهر هذا الصراع الآن إلى العلن بينهما، ولكن قبلًا، كان موجودًا لعقود. على سبيل المثال، في عام 2010، أنشأت إسرائيل فيروس ستكسنت (Stuxnet) لإلحاق الضرر بالمنشآت النووية الإيرانية، وهذا جزء من الصراع المستمر. كما قتلت إسرائيل العديد من العلماء النوويين الإيرانيين قبل سنوات، أي قبل فترة طويلة من الأسبوعين الماضيين.
بالإضافة إلى ذلك، كانت إسرائيل تضغط باستمرار على أميركا لفرض حظرٍ وعقوباتٍ على إيران، لذا كجزء من هذا الصراع الممتد لعقود بين إسرائيل وإيران، كانت إسرائيل تحاول في كثير من الأحيان إشراك أميركا، إما اقتصاديًا من خلال العقوبات على إيران أو من خلال قصف مباشر للمنشآت النووية الإيرانية كما رأينا قبل أيام.
إذن، هناك هذه الحرب الخفية التي تظهر أحيانًا إلى العلن، كما رأينا في الضربتين اللتين تبادلت فيهما إيران وإسرائيل القصف. إحداهما كانت في الأول من أكتوبر، والأخرى قبل بضعة أشهر. كانت ذلك صراعًا علنيًا، لكنه لم يصل أبدًا إلى المستوى الذي شهدناه في الأسبوعين الماضيين. تلك كانت حرب علنية بكل ما للكلمة من معنى.
أعتقد، بالنظر إلى هذا التاريخ، أن ما حدث في الأسبوعين الماضيين كان فصلًا رئيسيًا في الحرب الخفية التي دامت 46 عامًا بين إسرائيل وإيران، ويجب أن نتوقع المزيد من الاضطرابات. لا أستطيع أن أحدد بالضبط ما سيكون، ربما المزيد من الاغتيالات على الأراضي الإيرانية، أو المزيد من الانتقام الإيراني، أو ربما المزيد من القصف على المنشآت النووية الإيرانية، لأن ما نعلمه الآن هو أن المنشآت النووية الإيرانية تضررت لكنها لم تدمر بالكامل، ورغم صعوبة التنبؤ لكنني أعتقد أن علينا أن نتوقع المزيد من التوتر والصراع في المستقبل مع الأسف.
فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، نرى الآن أن الجميع يتحدث عن القنبلة النووية وضرورة امتلاكها. هل ترى أن إيران يمكن أن تمتلك هذه القنبلة النووية، خاصة وأنها تجد نفسها محاطة بالأعداء، حيث لم يساعدها أحد في الحرب؟
سؤال رائع، يتطلب منا أن نتمعن في تاريخ الدول الأخرى في المنطقة. فمثلًا، عندما تخلى القذافي عن برنامجه النووي، توفي بعد عدة سنوات واختفى نظامه. أما صدام فقد اتُهم بامتلاك أسلحة نووية أو أسلحة دمار شامل، لكنه لم يكن يمتلك أي شيء، ومع ذلك تم غزوه.
من جانبها إيران لديها برنامج نووي. وافقت في عام 2015 على معاهدة للحد من الأسلحة النووية وتخلصت من معظم اليورانيوم المخصب، لكن ترامب قوض الاتفاق في عام 2018، وفرض عقوبات على إيران، رغم التزامها بالاتفاق. لم تكن إيران مسلحة، ثم قُصفت من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وهما دولتان تمتلكان أسلحة نووية. لذلك، يجب على الإيرانيين أن يفكروا بجدية: "لقد تعرضنا للعقوبات والقصف ونحن غير مسلحين، فلماذا لا نصنع سلاحًا نوويًا على الأقل لتجنب القصف في المستقبل؟". لذا لا نستغرب تحفز إيران بكل الطرق الممكنة لإنشاء قنبلة نووية.
وللإشارة فإن تاريخ الأسلحة النووية، لم يسبق وأن اشتبكت دولتان تمتلكان أسلحة نووية في حرب تقليدية مفتوحة مع بعضهما البعض. خاضت الهند وباكستان ثلاث حروب، لكن في اللحظة التي أصبحتا دولتين نوويتين، أدركتا أنهما لا تستطيعان خوض حرب تقليدية مع بعضهما البعض لأن ذلك سيؤدي إلى الدمار المتبادل. لقد واجهوا مشاكل، وشهدوا مؤخرًا أيامًا قليلة من الصراع المحدود، لكن الأمر لم يتطور إلى حرب مفتوحة.
في معهدنا ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، لدينا أستاذ اللغويات المعروف المفكر نعوم تشومسكي، الذي قال إن القلق الحقيقي من امتلاك إيران لسلاح نووي ليس أن الإيرانيين سيستخدمونه. فإذا استخدموه ضد الإسرائيليين أو الأميركيين، فإن ذلك يضمن تدميرهم الذاتي، لأن إسرائيل وأميركا لديهما القدرة على الرد بالمثل.
القلق الحقيقي يكمن في أنه إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، فإنه يعيق حرية حركة أميركا وإسرائيل في الشرق الأوسط للقيام بما يريدون، ويمنعهم من أن يصبحوا المهيمنين على المنطقة. هناك رواية سائدة تقول: إنَّ "الإيرانيين مسلمون غير عقلانيين، ولا يحسبون الأمور بالطريقة التي حسب بها الاتحاد السوفيتي وأميركا". خلال الحرب الباردة، كان لدى كل من الاتحاد السوفيتي وأميركا أسلحة نووية، وكانت هناك عقيدة تضمن ألا يستخدم أي منهما الأسلحة ضد الآخر، وهي ما تعرف بـ"التدمير المتبادل المؤكد" (MAD - Mutual Assured Destruction). كانت الفكرة هي أنه إذا هاجم الاتحاد السوفيتي أميركا، أو إذا هاجمت أميركا الاتحاد السوفيتي، فإن ذلك سيؤدي إلى تدمير الدولة الأخرى لأنها سترد بفعالية بنفس السلاح النووي.
السردية التي تدعي أن الإيرانيين لكونهم مسلمين غير عقلانيين ومتحمسين للشهادة والجنة هراء؛ لقد استمر نتنياهو في الجدال بأن "إيران غير عقلانية"، لكن مجتمع استخباراته الخاص خرج وقال: "لا إيران لا تزال لاعبًا عقلانيًا"، وقد رأينا ذلك مرارًا وتكرارًا. فعلى سبيل المثال، حتى في الضربة على قاعدة العديد الجوية في قطر، كانت ضربة مدروسة ومحددة جدًا، صُممت للتأكد من عدم إصابة أحد. كما أنهُ عندما أمر ترامب باغتيال الجنرال قاسم سليماني، أهم عسكري إيراني، قال ترامب إن إيران ليس لها الحق في الرد. ومع ذلك، ردت إيران، لكنها أبلغت نظيراتها العراقية بأن الانتقام قادم وسيستهدف هذه القاعدة الأميركية في العراق، وأبلغ الإيرانيون العراقيين حتى يتمكنوا من إبلاغ الأميركيين لكي يذهب الجنود إلى الملاجئ ولا يقتل أحد.
لذا، إيران لاعب عقلاني، وإذا أعلنت عن امتلاك سلاح نووي على الإطلاق، فسيكون سلاحًا للردع. ونحن نرى الآن أن هناك المزيد من الناس يقولون إن إيران بحاجة إلى بناء سلاح نووي أكثر من ذي قبل، لأنهم يفهمون أنهم يتعرضون للعقوبات والقصف، لذلك قد يضطرون إلى بناء سلاح نووي على الأقل لإزالة التهديد بالقصف مرة أخرى. وهذا أمر عقلاني للغاية، لأن الناس عندما ينظرون إلى المنطقة وإلى العرب والإيرانيين والمسلمين، لا يربطوننا بالتفكير العقلاني، على الرغم من أننا عقلانيون جدًا.
ذكرت أن إيران عقلانية، وأن هذا يتجلى في طريقة تفاوضها وإبرام صفقاتها. لكن في الوقت نفسه، النظام الإيراني نظام ثوري، ونابع من ثورة، مما يعني أنه نظام يقاوم ويقاتل. فكيف يمكنه الجمع بين هذين المفهومين المختلفين في نظام واحد في ظل التهديدات التي يواجهها؟
نعم، مرة أخرى، التاريخ يقدم لنا معلومات قيمة للإجابة على هذا السؤال. إيران دولة ثورية، وتتمحور سياستها حول المقاومة، التي تعني مقاومة إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة.
لكنها، رغم ثوريتها، تظل عقلانية وعملية، هناك أمثلة عديدة على ذلك عندما أمر صدام حسين بغزو إيران في الثمانينيات، اندلعت حرب استمرت ثماني سنوات. كان ذلك في وقت استولت فيه إيران على السفارة الأميركية في طهران، وكانت معزولة عالميًا بسبب ذلك.
استغل العراق عزلة إيران وأمر بغزو إيران التي استولت على السفارة الأميركية واتهمت أميركا بـ"الشيطان الأكبر" وإسرائيل بـ"الشيطان الأصغر"، قاموا سرًّا بشراء أسلحة أميركية عبر إسرائيل لقتال صدام حسين والعراق خلال الحرب الإيرانية العراقية؛ إذن هناك أيديولوجية وهناك أيضًا براغماتية.
كانت إيران ملتزمة بالاستيلاء على السفارة الأميركية، وإخراج الولايات المتحدة من المنطقة، وتصنيف أميركا بأنها "الشيطان الأكبر" وإسرائيل "الشيطان الأصغر"، وكانت ملتزمة بالتحرير الكامل لفلسطين، لكنها مع ذلك اشترت أسلحة أميركية من إسرائيل خلال الحرب الإيرانية العراقية. وفي الولايات المتحدة، تُعرف هذه الواقعة بـ"قضية إيران-كونترا"، وكانت فضيحة كبرى كادت أن تؤدي إلى عزل الرئيس رونالد ريغان آنذاك، والأمثلة التي تظهر إيران ثورية وبراغماتية معًا كثيرة.
أتذكر عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، كانت إيران أول دولة في العالم أدانت الهجوم، حيث كان آنذاك محمد خاتمي أول من أدان الهجوم، والسبب في سرعة إيران في الإدانة كان عدم رغبتها في أن تُلام، لكنها كانت أيضًا لحظة لم تحتفل بها إيران، أتعلم ماذا أعني؟ فالدولة التي لطالما ردّدت "الموت لأميركا"، خرجت سريعًا لتندد بمقتل 3000 أميركي.
عندما غزت أميركا العراق عام 2003، كان ذلك بعد عامين من غزو أميركا لأفغانستان التي تقع شرق إيران مباشرة، فيما يقع العراق غربها مباشرة. وكانت أميركا القوة الرئيسية في الخليج وكانت إيران محاطة بالكامل، لذا فإن جدل الإيرانيين والعرب حول اسم الخليج، هل هو "الخليج الفارسي" أم "الخليج العربي" لا يعكس الواقع المتمثل في كونهِ "الخليج الأميركي" وإيران كانت تستوعبُ ببراغماتية كبيرة ذلك.
أتذكر سهولة الإطاحة الأميركية بصدام، فقد استغرق الأمر ثلاثة أسابيع. لم تكن تلك نهاية الحرب، لكن الأميركيين ظنوا أنها كذلك. فالحرب بدأت في 19 مارس 2003، وبعد حوالي ستة أسابيع، في 1 مايو 2003، أعلن الرئيس جورج بوش أنَّ "المهمة أُنجزت"، ظنوا أن الأمر انتهى. ثم جاء الخطاب من واشنطن كما لو أن إيران وسوريا هما التاليتان. وإذا قرأت مؤلفات مخططي الحرب، المحافظين الجدد الذين شغلوا مناصب في حكومة بوش فقد كانوا يحلمون دائمًا بغزو إيران.
إذن كانت أميركا في حالة حرب، وبدأت إيران، مرة أخرى تشعر بقلق شديد من أنها ستكون التالية. عندها بدأت في تسليح العديد من المجموعات العراقية في العراق لإغراق أميركا هناك حتى لا تغزو أميركا إيران لاحقًا. هذا أحد الأسباب التي جعلتهم يكرهون قاسم سليماني، لأن هذه كانت خطته لإغراق أميركا في العراق حتى لا تغزو إيران.
هذا ليس مجرد مقاومة، بل هو تفكير استراتيجي، لقد فعلت أميركا ذلك بالاتحاد السوفيتي في أفغانستان. لم يكن ذلك بسبب سياسة خارجية أميركية ثورية موجهة للمقاومة في الحرب الباردة. غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، وبدأت أميركا في دعم جماعات المجاهدين هناك. كانت هذه مجرد سياسة خارجية لمحاصرة عدوك في ذلك البلد.
كما فعل الاتحاد السوفيتي ذلك بالأميركيين في فيتنام. عندما غزت أميركا فيتنام، كان لديها حوالي 500 ألف جندي يقاتلون هناك في مرحلة ما. وكانت المقاومة الفيتنامية تتلقى السلاح والتمويل من الاتحاد السوفيتي. لذا، لم يفعل الاتحاد السوفيتي ذلك بسبب دافع أيديولوجي جنوني موجه للمقاومة، على الرغم من أن ذلك قد يكون عاملًا، لكنه كان يتعلق حقًّا بحبس أميركا في فيتنام واستنزافها.
أود أن أقول من هذه السيناريوهات الثلاثة، هي أنه بينما كانت إيران محاطة، وكانت واشنطن تتحدث كما لو أن إيران كانت التالية. لذلك كان لدى إيران خطة استراتيجية لضمان عدم غزوها.
ذكرت كيف يعمل اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. هل لإيران لوبي داخل الولايات المتحدة أم لا؟
لا يوجد لوبي إيراني داخل الولايات المتحدة. إنها مجرد إشاعة. إيران دولة معادية، وبالتالي لا يمكن أن يكون لها لوبي في الولايات المتحدة. أي محاولة من هذا القبيل ستؤدي إلى اعتقال المعنيين وسجنهم أو طردهم من البلاد. هذا يشبه السؤال عما إذا كان الاتحاد السوفيتي يمتلك لوبيًا في واشنطن خلال الحرب الباردة؛ لم يكن ذلك ليحدث أبدًا.
غالبًا ما تتهم الأوساط المؤيدة للحرب، واللوبي المؤيد لإسرائيل، أي شخص يعارض حربًا مع إيران بأنه جزء من "اللوبي الإيراني". هذا مجرد تكتيك للهجوم ومحاولة لإسكات المعارضين الذين لا يرغبون في الحرب. إنه نفس النهج المتبع لمحاولة إسكات النشاط الفلسطيني في الجامعات. وهو ما شاهدته بنفسي طيلة مدة عملي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا التي تتجاوز تسع سنوات سواء في المعهد أو كذلك في جامعة هارفارد القريبة. حاول البعض إسكات الطلاب باتهامهم بأنهم من "مؤيدي حماس" أو "معادون للسامية"، وهي اتهامات للهجوم وتشويه سمعة مناصري القضية الفلسطينية ومناهضي الإبادة الجماعية. في المقابل الأشخاص الذين هاجموا الطلاب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وهارفارد وكولومبيا وغيرها، كانوا يدعمون حرب إسرائيل على غزة والإبادة الجماعية.
في كتابك، أظهرت مدى ارتباط سردية الدولة الإيرانية بالقضية الفلسطينية، كيف يمكن لهذه الحرب أن تلقي بظلالها على فلسطين وقطاع غزة؟
علينا أولًا أن ننتظر ونرى التداعيات الكاملة، فالوضع معقد وله عدة جوانب. مثل أي بلد آخر في العالم، إذا تعرض للقصف، فإن الشعب يغضب. رأينا كيف ارتفعت شعبية جورج بوش بشكل كبير بعد أحداث 11 سبتمبر، رغم تدنيها قبل ذلك.
أستطيع القول إن الكثيرين منهم غاضبون من قصف إسرائيل وأميركا لإيران في حرب غير مبررة. يمكنني أيضًا أن أقول إن إسرائيل قدمت نفسها لجيل جديد من الإيرانيين. فالجيل الذي صنع الثورة في عام 1979 كان يعلم أن إسرائيل قوة قمعية ومحتلة. أما هذا الجيل الجديد، فقد اعتاد على رؤية نتنياهو يلقي خطابات تتحدث عن اهتمامه بالإيرانيين الذين من المفترض أن يناضلوا من أجل الحرية. لكن هذا الاهتمام دائمًا ما يكون زائفًا، فنتنياهو لا يهتم بالحرية الإيرانية وهو يذبح الفلسطينيين. إنه لا يكترث بحقوق الإنسان في إيران بينما يقتل ما يتراوح بين 60 ألف و300 ألف فلسطيني (لا نعرف العدد الحقيقي، فالأرقام تتراوح بين 55 ألفًا و317 ألفًا). لكن الإيرانيين سيرون هذه الخطابات ويعتقدون أن زعيمًا عالميًا يهتم بانتفاضاتهم.
هذا الجيل رأى الآن وجهًا مختلفًا لإسرائيل. فرأوا كيف قصفت إسرائيل مستشفى في إيران (قبل أن تستهدف إيران مستشفى إسرائيليًا ردًا على ذلك)، وكيف استهدفت سيارات الإسعاف كما تفعل في غزة، وكيف قتلت إيرانيين –معظم القتلى الستمئة كانوا مدنيين– وكيف قصفت ستة مطارات إيرانية. لدي أصدقاء وعائلة في إيران أخبروني أنهم لم يناموا لأسابيع، فكيف يمكنك النوم مع الانفجارات حولك ليلًا؟ كاد الناس أن يفقدوا عقولهم من شدة هول ما رأوه. وبالتالي، رأى جيل جديد أن إسرائيل في الواقع لا تهتم بالحرية أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، ولا تهتم بالإيرانيين، بل هي دولة حرب قوية تسعى للتوسع.
لا أعرف ماذا يعني هذا بالنسبة لعلاقة الإيرانيين بحكومتهم، فالأمر متروك لهم ليقرروا. ولكنني أود أن أقول إننا رأينا العديد من المسيرات الاحتفالية بالنصر في إيران، وأيضًا في أماكن مثل العراق، كما نشرت قناة الجزيرة. ورأيت لقطات لصواريخ إيرانية تهبط في إسرائيل، ورأيت الفلسطينيين يحتفلون. يمكنك أن تفهم السبب: لقد تحملوا قصف الصواريخ الإسرائيلية دون أي دفاع جوي لما يقرب من عامين. ولأول مرة، يطلق شخص ما صواريخ في قلب إسرائيل، وليس على أهداف مدنية.
لقد استهدفت إيران العديد من الأهداف العسكرية والاستخباراتية. لكن الإعلام الإسرائيلي فرض رقابة عسكرية. نحن لا نرى تدمير مصفاة حيفا للنفط، أو قواعد الموساد في تل أبيب، أو مكاتب المخابرات الوطنية في إسرائيل. نرى فقط أحيانًا عندما تصيب تلك الصواريخ أماكن مدنية. هذا ما تريده إسرائيل أن نراه: "إيران تستهدف مدنيينا". لكن هذه ليست الصورة الكاملة. استهدفت إيران الكثير من الأهداف العسكرية والاستخباراتية.
لذلك، يرى الفلسطينيون هذه الضربات على الموساد، والضربات التي دمرت، على ما أعتقد، أحد منازل الجنرالات. منزل نتنياهو نفسه استُهدف في إحدى هذه الضربات قبل بضعة أشهر. يرون هذا ويقولون: "يمكنكم أن تروا لماذا يجدون قليلًا من... لا أعرف كيف أصيغها. إسرائيل تتذوق قليلًا مما يمر به الفلسطينيون على نطاق واسع منذ عامين". ولهذا، يمكنك رؤيتهم يحتفلون بذلك.
ما مدى الضرر الذي لحق بالمنشآت النووية الإيرانية، وهل ما زالت إيران تملك القدرة على تطوير سلاح نووي؟
ما أود قوله إن الكثيرين يشعرون الآن أنه إذا تعرضوا للعقوبات والقصف بسبب برنامج نووي مدني، فربما الأفضل أن يستمروا في مواجهة العقوبات مع امتلاك رادع نووي لتجنب القصف.
لا نعرف المدى الحقيقي للضرر الذي لحق بالمنشآت. هناك صورة موثقة تظهر عشرات الشاحنات في منشأة فوردو، والافتراض هو أن جميع اليورانيوم المخصب قد أُزيل منها. وقد صرح ترامب نفسه بأنه أبلغ الإيرانيين بأن الضربة قادمة، لأنني أعتقد أنه لم يكن يريد تسربًا إشعاعيًا في البلاد، لذا لم يكن اليورانيوم المخصب موجودًا في فوردو.
أعتقد أن ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي قال: "لا نعرف حقًا أين يوجد اليورانيوم المخصب". لذا، قد يكون اليورانيوم المخصب قد نجا في ذلك الوقت. لكن إيران لا تزال لا تملك ما يكفي لصنع سلاح. ما نتعلمه أيضًا هو أن الكثير من الآلات والتكنولوجيا في فوردو قد أُزيلت.
حتى لو كان الأمر كذلك، فإن الحكومة الإيرانية تستمر في القول إنها "تضررت، لكن ليس بشكل لا يمكن إصلاحه، وسنكون قادرين على تخصيب المزيد والمزيد من اليورانيوم". لكن الحقيقة هي أنه لا يمكنك حقًا أن تثق بما تقوله الحكومة الإيرانية.
ومع ذلك، نتعلم الآن أنه لا يمكنك أن تثق بأي شيء يقوله الإسرائيليون والأميركيون أيضًا. ففي كل مرة قصفوا مستشفى في غزة، قالوا إن هناك مخبأ لحماس تحته. ثم دمروا كل شيء في غزة. إنهم يقولون دائمًا، في كل مرة يقتلون أو يدمرون منازل الفلسطينيين أو يقتلون الفلسطينيين، يرددون بأنّ السبب هو "حماس". ونعلم جميعًا أن هذا كذب. لذا من الصعب معرفة ما هو صحيح.
لكن في بعض الأحيان، يجب أن تثق بعينيك. لقد رأيت الصورة، رأيت الشاحنات الضخمة، شاحنات البضائع. وأعتقد أن اليورانيوم قد أُزيل من فوردو.
هل كان لدى إيران حلفاء حقيقيون في حربها؟ هل الصين وروسيا حليف استراتيجي لإيران حقًا؟
هذا سؤال مهم. السبب الذي دفع إسرائيل لقصف إيران في هذه المرحلة هي عزلة إيران النسبية. حلفاء إيران، مثل حماس، ضعفت بشكل كبير جدًا، على الرغم من أنها لا تزال نشيطة في مقومتها (قُتل سبعة جنود إسرائيليين مؤخرًا). كذلك حزب الله ضعيف؛ فقيادته العسكرية والسياسية تعرضت للاغتيال واستُبدلت، لكنه لا يزال ضعيفًا جدًا. كما أن حليف إيران الأهم، بشار الأسد تم إسقاطه. وفوق كل ذلك، كانت إسرائيل وأميركا تقصفان الحوثيين في اليمن، وهم حلفاء لإيران. لذا، أدركوا أن إيران في وضع ضعيف، واستهلوا حملة منهجية ضد حلفائها لتمهيد الأرض لضرب إيران.
إيران لديها أصدقاء، لكن لا يمكن وصفهم بـ"حلفاء حرب" بالمعنى التقليدي. سوريا (وبالأخص نظام بشار الأسد) يُعد حليف حرب تاريخي لإيران منذ الحرب العراقية الإيرانية. أما الصين، فهي دولة تتجنب الصراعات؛ لن تتدخل لإنقاذ إيران عسكريًا. هي مهتمة بالتعامل التجاري مع إيران، وبيع المنتجات لها، والمساعدة في بناء بنيتها التحتية كجزء من مبادرتها "الحزام والطريق" التي تُعد إيران جزءًا رئيسيًا ومهمًا فيها. لكنها لن تدخل حربًا أو تقدم دعمًا عسكريًا لإيران بهذه الطريقة.
بالنسبة لروسيا، كل الحديث عن "لدينا مسلمون في روسيا ومواطنون يهود روس في إسرائيل" هو مجرد ذريعة. الحقيقة أن روسيا غارقة في أوكرانيا ولا يمكنها تقديم أي شيء آخر للإيرانيين. كما أنها تسعى للحفاظ على قاعدتها في اللاذقية بسوريا، ولا تريد إغضاب الحكومة السورية الجديدة التي تكره الإيرانيين. ويمكنك أن تفهم السبب، فقد كانت إيران في الجانب الآخر من هذا الصراع. لذلك، فوجئت إيران قليلًا بلامبالاة روسيا.
قرأت مؤخرًا أن إيران قد تقترب أكثر من باكستان في المستقبل، لأن باكستان بلد مجاور ومسلم، وأبلت بلاءً حسنًا في مناوشاتها مع الهند. لذا قد يحاولون التقرب من باكستان لموازنة خيبة الأمل التي أصابتهم بسبب عدم استجابة روسيا في هذا الصراع. لكن إيران لديها أصدقاء، ولا أريد أن أطلق عليهم حلفاء حرب.
والدول العربية في مجملها صديقة رغم استمرار سماعي أيضًا أنهم في الماضي كانوا يحاولون التقرب من إسرائيل لموازنة إيران. الآن يفهمون أن إسرائيل تسعى للتوسع، وهم قلقون بشأن التوسع الإسرائيلي. لذلك يحاولون التقرب من إيران لموازنة إسرائيل. إذن، الأمر معقد حقًا، وسيتعين علينا الانتظار ورؤية ما سيحدث. لكنها مجرد واحدة من تلك الأمور التي يجب أن يكون فيها مزيد من الوحدة بين العرب والإيرانيين. نحن منقسمون جدًا، وجزء من ذلك هو نتاج استراتيجية "فرّق تسد" الاستعمارية.
ذكرت أن التهديد الإسرائيلي يطال الدول العربية الأخرى، على عكس ما يتصوره الدول خاصة التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل كيف ذلك وكيف ترى تطور هذه العلاقات مستقبلًا في ضوء ما يحدث في المنطقة؟
أود التأكيد على أن اتفاقيات إبراهيم وما تبعها من تطبيع للعلاقات تم توقيعها بين إسرائيل وحكومات عربية غير ديمقراطية ولا تمثل شعوبها، فالشعوب العربية في هذه الدول غير متحمسة لهذه الاتفاقيات إطلاقًا؛ فهم يؤيدون الفلسطينيين بشدة ولا يرغبون في أي علاقة، سواء عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، مع دولة فصل عنصري ترتكب الآن إبادة جماعية في غزة.
وفيما يتعلق بسؤالك حول كيفية استجابتهم للحرب بين إيران وإسرائيل، أعتقد أنه يجب علينا أن ننظر إلى الصورة الأوسع قليلًا.
أعلم أنه كانت هناك مناقشات مطولة وصريحة من إدارة بايدن حول تطبيع العلاقات بين الحكومة السعودية والإسرائيليين. لكن أحداث 7 أكتوبر غيّرت كل شيء. كان هذا أحد أسباب 7 أكتوبر، حيث كان الإسرائيليون يجادلون بأن "الحكومات العربية لا تهتم بالفلسطينيين، ويمكننا مواصلة احتلالنا وتطبيع العلاقات معهم دون الحاجة إلى الانسحاب."
ففي عام 2002، عرضت جامعة الدول العربية على إسرائيل التطبيع والسلام. قال جميع أعضاء الجامعة العربية: "إذا انسحبتم من كامل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وعدتم إلى الخط الأخضر، فسنقوم بالتطبيع وستعترف بكم جميع الدول العربية وسنقيم علاقات معكم". لكن الإسرائيليين لا يريدون الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي عام 2015، وفي فترة العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، استمروا في استعمار الضفة الغربية. والآن، تقوم الدول واحدة تلو الأخرى بإضفاء الطابع الرسمي على علاقاتها مع إسرائيل.
هذا بالضبط ما تريده إسرائيل: أن يتم الاعتراف بها بشكل شرعي في المنطقة، مع الاستمرار في احتلال الفلسطينيين. لكن أحداث 7 أكتوبر غيرت هذا المسار. لقد بعث 7 أكتوبر برسالة واضحة: "لا تعتقدوا أنكم تستطيعون التطبيع مع الدول العربية بينما نظل نحن صامتين ويستمر احتلالكم دون أن يحدث شيء". لقد صُمم 7 أكتوبر لتعطيل عملية التطبيع، وقد نجح في ذلك.
لذا، الأمر لا يتعلق بالضرورة بالحرب مع إيران فقط. بل بكل ما حدث في لبنان، سوريا، اليمن، غزة، الضفة الغربية، إسرائيل، وإيران، وكل هذا جعل عملية التطبيع أكثر صعوبة وتعقيدًا بكثير.
أود أن أقول إن ما حدث في العامين الماضيين قد أحرج الحكومات التي طبعت علاقاتها. هذه الحكومات غير ديمقراطية ولا تمثل شعوبها، وأعتقد أن شعوبها باتت أكثر غضبًا منها. ففي الأردن، على سبيل المثال، حيث توجد معاهدة سلام مع إسرائيل منذ عام 1994، أي قبل اتفاقيات أبراهام بكثير، فإن غالبية السكان من أصل فلسطيني غاضبون؛ ليس فقط لأن الأردن لم يستدع سفيره أو يلغِ معاهدة السلام، بل لأنه يعترض الصواريخ كجزء من الدفاع الجوي الإسرائيلي ضد إيران، بينما ترتكب إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة.