النظام الدولي من منظور ديـكولونيالي
عبد الرحمن عادل
مقدمة
كشف طوفان الأقصى عن وجه مظلم قبيح للعالم الذي نعيشه؛ إذ انقسم العالم حول الإبادة الجماعية وحرب التجويع والتطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني، بين مؤيد وحليف، ومتخاذل متفرج، ورافض بلا موقف ولا فعل. لحظة تاريخية كشفت عن زيف وضعف ووحشية؛ زيف قيم الحضارة الغربية وإنسانيتها المدعاة، وضعف العالم العربي والإسلامي، ووحشية آلة الحرب والتدمير المسماة بدولة إسرائيل. وإن كانت هذه الحقائق والمكاشفات ليست جديدة، بل إنها ظاهرة للعيان منذ عصر الأنوار الأوروبية وعهد الاستعمار وغزو العالم خارج أوروبا، إلا أن الأمم والشعوب تتناسى أو تتغافل عن هذه الحقائق مع تعاقب الأجيال، ولا تعود إلى تذكر المأساة إلا على حساب دماء آلاف الأبرياء وأرواحهم.
من ناحية أخرى كشف الطوفان عن واجب الوقت الآن لكل منتمٍ إلى هذا الواقع الذي وصفته؛ ألا وهو المقاومة والسعي للتحرر من وطأة الهيمنة الغربية التي تفرض على كل من يناوئها القتل والتدمير أو التعجيز والتهميش. لا تقتصر المقاومة على السلاح وحده، بل إن كل موقع في جسد الأمة الإسلامية يفرض على قاطنه المقاومة. ومن هنا فإن مقاومة المفكر والباحث والطالب والأستاذ والمثقف؛ هي المقاومة المعرفية والسعي للانعتاق المعرفي من استعمار العلم والهيمنة الغربية على العقول والأفكار. ذلك أن حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، لا تقتصر على السلاح وحده، بل تحمل معها مفاهيمها وسردياتها ونظرياتها ومنظوراتها المعرفية والفكرية.
تتحقق المقاومة المعرفية من خلال خطوتين أساسيتين، الأولى: تتمثل في الشك والنقد لما هو سائد؛ ذلك أن السائد في العلوم الاجتماعية هو غربي في المقام الأول، وعليه تتمثل أولى خطوات المقاومة المعرفية في وضع هذا السائد موضع النقد والتفكيك وربطه بأصوله والتساؤل حول مدى مناسبته لمجتمعاتنا وأحوالنا، وكذا التشكيك في عالميته وصلاحيته المطلقة للجميع. كما يؤدي هذا النقد والتفكيك دورًا هامًا في التخلص من حالة العمى التي تفرضها المفاهيم والنظريات الغربية بتحيزاتها وما تحمله في بنيتها من قيم عنصرية وعرقية. أما الخطوة الثانية فتتمثل في اجتهاد أبعد يرمي إلى وضع بديل للسائد، هذا البديل الحضاري يهتم في المقام الأول بمشكلات واقعه وبيئته التي ينشأ فيها، يتكلم بلغتها ويعكس سماتها وخصائصها الأنطولوجية ويؤسس عليها نموذجًا معرفيًّا ملائمًا.
في هذا الإطار تتناول هذه الدراسة التنظير الديـكولونيالي في العلاقات الدولية، وذلك باعتبار أنه يتمثل شرطي المقاومة المعرفية (النقد والسعي لوضع بديل). إن أهم ما يقدمه هذا التنظير هو اعتراضه الابستمولوجي؛ لأنه يرى أن كل المعرفة في العلوم الاجتماعية هي معرفة استعمارية. وأن هذه المعرفة تستخدم لغرض إدامة السيطرة على الدول التي كانت مُستعمرة. ومن ثم فهي معرفة غير صحيحة، لأنها تقوم على افتراضات فيها قدر من التحيز لجماعة بشرية بعينها؛ فهي تتحيز للمركزية الأوروبية، ومن ثم فهي من الناحية الموضوعية غير صحيحة، ومن ناحية أخرى تستخدم أداة للسيطرة على الشعوب الأخرى، ومن ناحية ثالثة ترتبط بتقييم ومفاضلة تعطي الأولوية للشعوب الأوروبية وتجعلها في المركز وغيرها على الهامش. وعليه يعمد هذا التنظير إلى النقد الراديكالي لكافة أشكال المعرفة الاستعمارية. كما يدعو هذا التنظير إلى التحرر من المفاهيم والأطروحات التي قدمتها المعرفة الغربية لأنها متحيزة ومضللة، والعمل على بناء معرفة جديدة بعد كولونيالية.
وتنطلق هذه الدراسة من سؤال رئيس مفاده: ما البديل الذي يقدمه التنظير الديكولونيالي في العلاقات الدولية عن التنظير الغربي التقليدي السائد؟ وكيف يمكن أن يساعد هذا البديل في حل مشكلة الأسرلة والإبادة الجماعية في غزة وحول العالم؟
الإطار المفاهيمي: تيار واحد ومنظورات ثلاثة
لا بدَّ في البداية من التمييز من بين منظورات ثلاثة تدور بالأساس حول المسألة الكولونيالية بوصفها حجر الأساس الذي تدور حوله علاقة الشمال بالجنوب أو المركز بالأطراف، والطريقة التي ساهمت بها الكولونيالية في بناء وتشكل النظام الدولي الحديث، وكذا دورها في بناء وتشييد الدولة القومية الحديثة في دول العالم غير الغربي وفي قلبها العالم العربي والإسلامي. نميز هنا بين "الكولونيالية الجديدة" و"ما بعد الكولونيالية" و"الديكولونيالية"؛ باعتبارها منظورات ثلاثة ظهرت وتطورت في دول الجنوب وفي القلب منها إفريقيا، وسعت إلى تقديم تنظير بديل ونموذج معرفي أصيل يتحدى النموذج الغربي ويشكك في سردياته ونظرياته في شتى مناحي العلوم الاجتماعية والإنسانية، ويمتد هذا التنظير أيضًا ليشمل سياسات الدول الغربية تجاه الآخر غير الغربي. هذا وإن كانت هذه المنظورات الثلاثة تتشابه وتتقاطع في مساحات متعددة إلا أنها تتمايز أيضًا في مساحات أخرى، وعليه وجب التمييز فيما بينهما مفاهيميًّا على الأقل:
أ) الكولونيالية الجديدة
يرجع الفضل في ظهور مفهوم "الكولونيالية الجديدة" إلى الرئيس الغاني الأول كوامي نكروما، وبغض النظر عن الاختلاف حول من الذي صك المفهوم، إلا أن الفضل الرئيس في شيوع المفهوم وتوظيفه لدراسة العلاقة بين الشرق والغرب أو أوروبا ثم الولايات المتحدة ودول الجنوب يرجع إلى نكروما الذي كتب كتابًا عام 1965 بعنوان الكولونيالية الجديدة: المرحلة الأخيرة من الإمبريالية. وقد وجد هذا المنظور قبولًا لدى بعض التيارات النقدية في دراسة السياسية الدولية، خاصة التيارات المنبثقة عن الماركسية الجديدة، بل وعمل بعض الباحثين المعاصرين على توظيفه وتشغيله في دراسة العلاقات الغربية-الأفريقية، ليس فقط فيما بين الدول، بل بما يشمل فاعلين آخرين مثل الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية.
عرف نكروما الكولونيالية الجديدة بأنها استمرار السيطرة الخارجية على الأقاليم الإفريقية بأساليب جديدة أكثر رهافة، على عكس تلك التي مورست في عهد الكولونيالية التقليدية. وكان يرى أن أوضاع الكولونيالية الجديدة هي تلك التي يحدث فيها تغلغل لنفوذ خارجي في دول إفريقية (كانت قد نالت استقلالًا قانونيًّا من قبل) ويصل هذا التغلغل إلى درجة كبيرة لدرجة أن هذه الدول لا تصبح حاكمة لنفسها بأصالة. يضاف إلى هذا، لم تستطع الدول التي نالها تأثير الكولونيالية الجديدة أن تحقق تنمية اقتصادية أو اجتماعية حقيقية لشعوبها، إذ كانت سياستها موجهة نحو المصالح المادية لعناصر أجنبية أكثر من توجهها نحو احتياجات المواطنين المحليين. فالنخب الإفريقية التي شاركت في علاقات الكولونيالية الجديدة كانت تمارس الحكم لحساب المتبرعين الأجانب، وكانت في الواقع العملي تخون المصالح الاقتصادية لشعوبها هي. وعلى هذا الأساس صك نكروما تعريفًا للكولونيالية الجديدة بقوله: "يكمن جوهر الكولونيالية الجديدة في أن الدولة التي تخضع لها تعد نظريًّا مستقلة، وتتمتع بكل زخارف السيادة الدولية، ولكن في الواقع يتم توجيه نظامها الاقتصادي وكذا خططها السياسية من الخارج".
وعلى هذا يمكن للدول الإفريقية أن تتمتع بسيادة قانونية أو قضائية ضمن النظام العالمي بعد قبول إعلانها الرسمي عن استقلالها. غير أنها لا تتمتع بثمار سيادة عملية لشعبها من ناحية القدرة على تحقيق وتفعيل تقرير مصيرها بنفسها على أساس من الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية لمواطنيها المحليين. وفي السياق ذاته، أبرز نكروما بشكل خاص الدور الانتقائي للحكومات الأجنبية في منح المعونات، علاوة على دور الشركات الأجنبية التي تستثمر رأسمال في اقتصادات إفريقية. فلم ينظر نكروما إلى مدفوعات المعونات التي تقدمها الحكومات الأجنبية (الدول الأوروبية والولايات المتحدة) باعتبارها جهودًا إيثارية تهدف إلى رفاهية المجتمعات الإفريقية. بل نظر إلى منح المعونات بوصفها وسيلة لضمان رضوخ نخب إفريقية معينة ولتسهيل أنماط من التغلغل الاقتصادي للشركات الكبيرة بما يضر بالسكان الإفريقيين. ومن ثم لم تكن المعونات بهذا المعنى "هبة"، بل مدفوعات قصيرة المدى تنزع عن إفريقيا سيادتها العملية.
وعليه فلم يكن تحليل نكروما اختزاليًّا يلقي اللوم على الغرب فقط، وإنما رسم تحليله صورة واضحة لعلاقة ذات اتجاهين بين قوى خارجية وأخرى داخلية تعملان معًا على تخليد نظم الكولونيالية الجديدة.
ب) ما بعد الكولونيالية
لا تعتبر ما بعد الكولونيالية نظرية واحدة موحدة في العلاقات الدولية، بل هي أقرب ما تكون للتوجهات والمنهجيات النقدية. وتدرس "ما بعد الكولونيالية" كيفية تعامل المجتمعات والحكومات والشعوب في المناطق المستعمرة سابقًا في العالم مع العلاقات الدولية. إن استخدام "ما بعد" من قبل علماء ما بعد الكولونيالية لا يشير بأي حال من الأحوال إلى أن تأثيرات الحكم الكولونيالي أو آثاره قد اختفت، بل إنه يسلط الضوء على التأثير الذي لا يزال للتاريخ الكولونيالي والإمبريالي في تشكيل طريقة التفكير حول العالم وكيف أن أشكال المعرفة والقوة الغربية تهمش العالم غير الغربي. لا تهتم مدرسة ما بعد الكولونيالية بفهم العالم كما هو فحسب، بل كما ينبغي أن يكون أيضًا. كما تهتم بالتفاوتات في القوة العالمية وتراكم الثروة، ولماذا تمارس بعض الدول والمجموعات الكثير من السلطة على الآخرين. وعن طريق إثارة قضايا مثل هذه، تطرح نظرية ما بعد الكولونيالية أسئلة مختلفة عن النظريات الأخرى للعلاقات الدولية وتسمح ليس فقط بقراءات بديلة للتاريخ، ولكن أيضًا بمنظورات بديلة حول الأحداث والقضايا المعاصرة.
يستمد هذا المنظور روافده الفكرية وأسسه النظرية من مجموعة كتابات تُمثل الأدبيات المؤسسة لهذا الاتجاه، ولعل أهمها كتابات: فرانز فانون، إيمي سیزیر، ألبير ميمي، تشنوا آتشبي، إدوارد سعيد، أميلكار كابرال، علي الأمين المزروعي، غاياتري سبيفاك، هومي بابا، أشيل مبيمبي... وغيرهم.
تشير ما بعد الكولونيالية إلى أن المعرفة، أو ما يقال عنه معرفة، ليس تصورًا كاملًا للحوادث البتة. ويمكن غالبًا فهم الفجوات بين ما قيل إنه حصل وما حصل بالفعل من خلال فحص الكيفية التي شكلت بها الهياكل الإمبريالية والاستعمارية مؤسسات إنتاج المعرفة. فعلى سبيل المثال لم تشمل دراسات العلماء والمفكرين -على اختلاف تخصصاتهم- مجتمعات ودول العالم غير الأوروبي أو غير الغربي لبناء معرفة اجتماعية وإنسانية كونية، بل جرى تأسيس قواعد ومسلمات هذه الأخيرة انطلاقًا من تجارب غربية خالصة، عملت على تعميم ما يُعتبر خاصًّا ومحليًّا ومختلفًا عن تجارب وثقافات ومصالح الشعوب والمجتمعات الغربية. إن المعرفة الغربية كانت معرفة إمبريالية، ولم تكن متاحة بشكل عام للشعوب التي استعمرتها، وهذا ما أدى بمفكري ما بعد الكولونيالية إلى التشكيك في الأفكار والعموميات التي تظهر في الخطابات الأكاديمية والخطابات العامة على أنها "معارف صحيحة" عن التوسعات الاستعمارية السابقة. ومثال عن ذلك، يعتبرون أن الدراسات الإثنية التي أجراها الإثنوغرافيون الاستعماريون على المجتمعات والشعوب المستعمرة قد عكست تفكيرهم الطبقي الذي كان في الغالب متضاربًا مع ما كان قائمًا في الواقع.
وقد حددت ما بعد الكولونيالية ثلاثة تحديات أساسية في رؤيتها ومقاربتها للعلاقات الدولية، هي:
تحدت المركزية الممنوحة لأوروبا باعتبارها المصدر والأصل التاريخي للنظام الدولي.
تساءلت عن الشمولية الممنوحة للمنظورات الأخلاقية والقانونية التي تعكس وتعيد إنتاج علاقات القوة التي تميز الفهم الاستعماري للعلاقات الدولية، والتي هي بعيدة كل البعد عن كونها عالمية.
شككت في حيادية وموضوعية المفاهيم والنظريات، وسعت إلى نقد وتفكيك دورها في صنع الواقع الدولي.
ج) الديـكولونيالية
يعتبر هذا المنظور والتيار الذي يتبناه امتدادًا لتيار ما بعد الكولونيالية، لكنه يتبنى نزعة نقدية أكثر عمقًا وجذرية في التعامل مع الغرب وعلومه، كما أنه يتهم ما بعد الكولونيالية بأنها لم تتجاوز المركزية الأوروبية في طرحها. وقد برز هذا المنظور بالأساس في أميركا اللاتينية ومن أبرز رواده والتر مينولو وأنيبال كيخانو ومحمود ممداني وغيرهم. ويركز منظرو هذا التيار على السياسة الجغرافية للمعرفة أو الابستيموجرافيا، ودور اللغة في إنتاج المعرفة. ذلك أن المعرفة تنتج بواسطة لغة معينة، واللغة تحمل في طياتها ثقافة من يتكلمها ويكتب بها. ولذا فإن التخصص في حقل أو علم معين، لا بدّ أن يعني الإلمام باللغة التي نشأ الحقل في كنفها، ومن هنا فإن كنا نتحدث عن علم الاجتماع مثلًا، فإن هذا الحقل بشكله المعاصر قد نشأ في الغرب بلغاته الثلاث الأساسية (الإنجليزية والفرنسية والألمانية)، وعليه فإن كان المتخصص أو الباحث عربيًّا ولا يكتب بأي من هذه اللغات، فإن ما يقوله لن يسمع أو يُقرأ على مستوى أبعد من بيئته المحلية، على عكس من يكتب بإحدى اللغات الأوروبية، فإن ما يكتبه غالبًا ما يلقى رواجًا عالميًا. وعليه فإن نقض الاستعمار المعرفي (Epistemic Decolonization) يتطلب تحرير العلم من هيمنة لغة واحدة عليه، وكذا تحريره من المركزية الجغرافية الغربية، وبعبارة أخرى التحرر/الانعتاق المعرفي للباحث غير الغربي من الهيمنة المعرفية الغربية بأبعادها المختلفة.
إن المنظورات الثلاثة السابقة، وإن كانت بينها مساحات من الاختلاف فإن المشترك بينها أكبر، وعلى مستوى حقل العلاقات الدولية يمكن التركيز على هذا المشترك لتكوين رؤية ديكولونيالية للنظام الدولي الحالي، تتحدى المنظورات التقليدية المهيمنة على الحقل، وتقدم فهمًا بديلًا ومقاومًا للفهم الغربي "الاستعماري" لنظام دولي يدعم إبادة جماعية تمارسها دولة استعمارية توسعية على شعب مستضعف أعزل لا يمتلك من مقومات القوة ما يدافع به عن نفسه. ولا ينبغي أن يفهم من هذا أني أتجاوز الاختلافات بين المفاهيم الثلاثة أو أقفز عليها، ولكني أركز على المشترك بشكل محدد، وأفترض أن المنظورات الثلاثة وليدة تيار واحد يتمركز حول مشكلة معينة ألا وهي الكولونيالية.
المبحث الأول: تحدي السردية الأوروبية لنشأة النظام الدولي الحديث
تتمثل السردية الغربية حول نشأة النظام الدولي الحديث فيما يمكن أن نسميه "سردية 1648"، وقوام هذه السردية أن نشأة النظام الدولي وعموده الفقري "الدولة القومية" تعود إلى صُلح وستفاليا عام 1648، التي كانت ختام سلسلة من الحروب الدينية امتدت 30 عامًا بين البروتستانتية والكاثوليكية في أوروبا. وقد أدى هذا الصلح إلى إضعاف الإمبراطورية بوصفها شكلًا للحكم في أوروبا، كما أثبت الصلح أسسًا جديدة للسياسة الدولية؛ فقد أقر حق الأمراء في اختيار ديانة شعوبهم، كما أقر مبدأ التعايش بين الأديان وأن الاختلاف بين الديانات ليس سببًا لنشوب الحروب (مبدأ التسامح)، كما أقر مبدأ سيادة الأمراء في بلادهم وحقهم في توقيع المعاهدات وإدارة شئونهم الخارجية، ومن ثم اعترف بالولايات بوصفها دول ذات سيادة (مبدأ السيادة)، وبالتالي تبلور "النظام الدولي" الذي تعتبر الدول الركن الرئيس فيه.
مهد الصلح بذلك الطريق لظهور "الدولة الإقليمية" Territorial State التي اعترف لها بحق احتكار استعمال العنف في داخل حدودها. وقد ظلت هذه الدولة تشكل الركن الأساسي للنظام الدولي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. كما مهد الصلح لإقرار مبدأ تمتع الدول الإقليمية بالسيادة، والمساواة في السيادة بين الدول بصرف النظر عن مذهبها الديني أو نظامها السياسي. لقد كان صلح وستفاليا مسألة أوروبية محضة، ولم يكن لبقية العالم خارج القارة الأوروبية شأن به، كما مثل هذا الصلح حلًا لصراع أوروبي داخلي طويل؛ تمثل هذا الحل في تأسيس نظام يعترف بسيادة الدول القطرية القومية، ويؤكد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول، ومن ثم يقرر -نظريًّا- حالة من المساواة بين الدول الأوروبية. وبهذا تصبح سمات النظام الجديد ومكوناته وشروط نشأته: علمنة الدولة، وتحديد حدودها القطرية بوضوح، وتأكيد مبدأ السيادة وعدم التدخل، ثم تحديد نمط الولاء للأفراد والشعوب فيما بعد في القومية وليس الديانة.
في مقابل هذه السردية يطرح المنظور الديكولونيالي "سردية 1492"، والذي يرى أنها تعبر عن البداية الحقيقية للنظام الدولي الحديث والدولة القومية. يقول هذا المنظور إن النظام الدولي الحديث يبدأ عام 1492 مع ما يسمى "حروب الاسترداد" (سقوط الأندلس عند المسلمين). حيث سيطر نظام قشتالة الملكي على مناطق من شبه الجزيرة الأيبيرية كانت واقعة تحت حكم مسلمي الأندلس، وقد ظهرت حينها ممارسات بناء الدولة-الأمة؛ إذ هدفت إلى تغيير الشعب داخل الإقليم بهدف جعل السكان متجانسين ثقافيًّا تحت شعار "بلد واحد، دين واحد، إمبراطورية واحدة". وهكذا طرد القشتاليون أولًا اليهود الذين رفضوا التحول إلى المسيحية من قشتالة وأرجون بإصدار مرسوم الحمراء عام 1492، بعد ذلك صدرت مراسيم أخرى ما بين 1492 و1526 تجبر المسلمين على امتداد إسبانيا على تغيير دينهم للمسيحية، أو الطرد. لقد بدأ إذًا توحيد (صنع) إسبانيا الحديثة بتطهير إثني شمل اليهود والمسلمين.
وعليه، لم يكن من الممكن تحقيق مشروع الدولة القومية دون تطهير عرقي وعنف واسع. وهو ما تحقق بطرد اليهود والمسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، وسرعان ما أدى ذلك إلى صراع بين الدول، لأن كل دولة كان لها أغلبية رسمية -الأمة التي تدعي أنها تمثلها- وأقلية أو أقليات. لذلك يمكن القول إن القضية بدأت بوصفها قضية عرقية داخلية، ثم تحولت إلى قضية بين الدول في حرب الثلاثين عامًا من (1618 إلى 1648)، في أعقاب العديد من الصراعات الدينية التي عمت أوروبا. ثم في العام 1493 أعلن بابا الفاتيكان "عقيدة الاكتشاف" والتي كانت بمثابة المباركة الباباوية للاستعمار الأوروبي، أكد البابا أن المستكشفين يمكنهم أن يسيطروا على أقاليم أجنبية باسم الملوك المسيحيين، وأن هذه السيطرة شرعية لأن سكان الأراضي المكتشفة يفتقدون الحضارة الأوروبية، وبشكل رئيس المسيحية. ومن ثم أصبح الهنود في الأميركيتين هم يهود ومسلمو إسبانيا على الجانب الآخر من المحيط. وبهذا نشأ المبدأ الثاني للنظام الحديث "الإبادة الجماعية".
تثير هذه السردية مسألة مهمة لا تتعرض لها السردية الأولى الأوروبية (أي سردية 1648)؛ ألا وهي الموقف من الآخر (غير المسيحي ثم غير الأوروبي)، إذ لا يبدو وفق هذه السردية أن الآخر مشمول بالتسامح الأوروبي. لذا، يتساءل محمود ممداني: ما الذي كان يعنيه سلام وستفاليا بالضبط؟ فصلح وستفاليا لم يحدد بدقة ما الذي يعنيه أن تكون متسامحًا أو أين تقع حدود التسامح؟ الكثير من الأسئلة الرئيسة تقع خارج الاتفاقية؛ فما هو الاختلاف الذي يمكن التسامح معه؟ وهل على الأوروبيين التسامح مع غير الأوروبيين؟ هل على المسيحيين التسامح مع غير المسيحيين؟ إذا كانت بعض الشعوب تقع ما وراء التسامح، فهل يمكن جعلهم قابلين للتسامح من خلال إزالة الخلافات التي لا يمكن التسامح معها؟ لقد حددت إجابات هذه الأسئلة علاقة الأوروبي بالعالم خارج أوروبا، وكان الاستعمار والإبادة -فيما يبدو- الإجابة الحاسمة لمعظم هذه الأسئلة.
لقد أسس فلاسفة الأنوار الأوروبيون فكريًّا وفلسفيًّا لهذا النظام الدولي الإقصائي والمتمركز حول الذات الأوروبية. فرأى مونتسكيو أن الاستبداد نظام طبيعي بالنسبة للشرق لكنه غريب وخطر على الغرب، ورأى هيجل أن الشرقيين لم يتوصلوا إلى معرفة أن الروح أو الإنسان -بما هو إنسان- حُرّ، لذا فهم أهل عبودية. أما جون لوك فقد كان مع كتاباته في الحرية والمساواة تاجر رقيق! ثم جاء المركيز دي ساد بنظريته عن "السادومازوخية" ومفادها أن كثيرًا من الناس يرفض الحرية بطبعه ويميل إلى العبودية وإلى تحكم الآخرين في حياته ومصيره، وأن هذا الإنسان إذا تمت السيطرة عليه من قبل من هو أقوى منه فإنه يشعر بالأمان والقوة.
وبدورهم عمل الفقهاء القانونيون في القرن التاسع عشر مثل ريتشارد كوبدين على وضع المراسيم التي تنص على أن مبدأ السيادة ينطبق فقط على الدول المتحضرة في أوروبا، وليس مثلًا على الإمبراطورية العثمانية أو الصين وغيرها من الدول غير الغربية. وقد أقر جون ستيورات مل ذلك، فوفقًا له لم يكن "غير المتحضرين" أصحاب سيادة، ولذلك وجب أن يوضعوا تحت رحمة "المتحضرين". ومن هنا جاءت المهمة الحضارية، أو مهمة تحضير الشعوب الهمجية من خلال حملات التبشير والاستعمار.
خلاصة ما سبق، أن سردية 1648 لا تتفق كثيرًا وواقع نشأة وتطور النظام الدولي الحديث بالنسبة إلى العالم أجمع، إذ إنها تحكي قصة أوروبية خالصة وتعممها باعتبارها قصة العالم. أما سردية 1492 فتكشف أحد أهم جوانب هذا النظام الدولي؛ وهي أنه قام على شرطين أو مبدأين أساسيين هما: التطهير العرقي والإبادة الجماعية. ويبدو أن تاريخ إفريقيا ومناطق شاسعة من آسيا وأميركا اللاتينية، يدعم بقوة هذه السردية، كما أن واقع اليوم في فلسطين وما تفعله إسرائيل في غزة وما تتلقاه من دعم غربي وأميركي خصوصًا يدعم كذلك هذه السردية.
المبحث الثاني: تحدي سردية بنية النظام الدولي
تتمثل السردية الغربية الرئيسة في العلاقات الدولية -والتي تشكلها النظريات الأوروبية في هذا الحقل- حول بنية النظام الدولي، في أنه يدور حول ثلاثة أشكال: إما أنه أحادي القطبية (كما هو شكله منذ نهاية الحرب الباردة وإلى الآن)، أو ثنائي القطبية (كما كان في فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي)، وأخيرًا متعدد الأقطاب (كما كان في الفترة ما بين 1648-1789 والفترة 1815-1871). وعلى الرغم من تعدد النظريات والمدارس الغربية في العلاقات الدولية (واقعية- ليبرالية- ماركسية- بنائية..)، إلا أن مقولة المدرسة الواقعية "أن بنية النظام الدولي فوضوية" تكاد تطغى على وصف القيمة والمنطق الحاكم لبنية النظام الدولي في السردية الغربية. ويُقصد بالفوضى: أن النظام الدولي لا تحكمه حكومة أو سلطة عليا كما هو الحال داخل الدول. ويرى الواقعيون أن الفوضوية هي حالة مستديمة لا يمكن التخلص منها بسبب عنصر السيادة، وعليه فإن بنية النظام الدولي هي التي تتحكم في سلوك الدول وليس العكس.
يترتب على الاعتقاد الواسع في تلك المقولة الجدل القديم المستمر بين الواقعية والليبرالية، باعتبارهما المدرستين الأكبر في نظرية العلاقات الدولية في الغرب. فتقول الواقعية إن الدول (التي تمثل الوحدات الرئيسة للنظام الدولي) تتجه نحو سعي دائم حثيث لامتلاك القوة والمزيد من القوة والحرص على التفوق الدائم في مقومات القوة بشتى أنواعها. أما الليبرالية فتعطي دورًا أكبر للمؤسسات الدولية لتعزيز التعاون والسلام بين الدول "الديمقراطية"، وتطرح الليبرالية نظريات من قبيل "السلام الديمقراطي" و"الاعتماد المتبادل" وغيرها. لكن الأمر أن هذه النظريات لا ترى سوى القوى العظمى والكبرى، ولا تلتفت بشكل كبير إلى القوى الأصغر (التي كان أغلبها مستعمرات للقوى الكبرى). وعليه فإن هذه النظريات ترسخ بشكل أو آخر ثنائية المركز والهامش في العلاقات الدولية، حيث تمثل الدول الغربية مركز العالم وقلبه النابض، بينما تمثل دول الجنوب/العالم الثالث الأطراف المهمشة.
يرفض المنظور الديكولونيالي بنية النظام الدولي بشكلها الغربي، فعلى المستوى الواقعي اتخذ من فكرة "عدم الانحياز" موقفًا عمليًّا لمواجهة الاستقطابات التي فرضتها الثنائية القطبية في فترة الحرب الباردة. ولذا فإن الكثير من الباحثين يؤرخون لنشأة هذا التيار مع مؤتمر باندونج عام 1955؛ ذلك المؤتمر الذي جمع تسعة وعشرين بلدًا إفريقيًّا وآسيويًّا، والذي يُعتبر تاريخ دخول البلدان المستقلة التي تسمى "بلدان العالم الثالث" للساحة الدولية. وقد تضمن القرار الأخير لهذا المؤتمر الدولي إدانة للاستعمار والإمبريالية عمومًا، وبخاصة نظام الأبارتهايد بجنوب إفريقيا، وفرنسا التي كانت حينها إحدى القوتين الاستعماريتين العظميين بإفريقيا. يضاف إلى ذلك إرادة البلدان المشاركة في المؤتمر في أن تلتزم بـ"عدم الانحياز" لإحدى الكتلتين العظميين؛ أي الكتلة السوفييتية والكتلة الغربية، وهو الموقف الذي كان يعلن أيضًا عن إرادة التخلص من الإيديولوجيات التي تهيمن في تينك المجموعتين.
أما نظريًّا فيطرح هذا التيار ثنائية "المركز والأطراف" باعتبارها البنية الحقيقية للنظام الدولي الحديث، أو كما عبر عنها المفكر الأفروأميركي علي الأمين المزروعي "براهمة العالم ومنبوذوه". يتفق هذا التشكيل وما تطرحه بعض الاتجاهات العالمية في دراسة العلاقات الدولية؛ فوفقًا لكل من بيري بوزان وأميتاف أشاريا، فإن أحد الأسس المعرفية التي قام عليها حقل العلاقات الدولية بنظرياته وقضاياه كما نشأ في الغرب هي "العنصرية العلمية". نشأت العنصرية العلمية بشكل أساسي من مزيج مكون من ثلاثة أشياء: المخططات التصنيفية التي كانت تُشكل علم الأحياء؛ وانتقال مبدأ "البقاء للأقوى" من علم الأحياء إلى المجتمع (الداروينية الاجتماعية)؛ والمواجهات غير المتكافئة على نحو كبير التي كانت تحدث بين الدول الأوروبية «المتحضرة» والشعوب «البربرية» أو «الهمجية». وكانت النتيجة نشأة تسلسل هرمي عرقي يتموضع فيه البيض في الأعلى والملونون في الأسفل. ومع التطور الذي شهدته العنصرية العلمية أصبحت هذه النزعة أكثر دقة في درجات التمييز بين الأعراق، كما كان لنزعة العنصرية العلمية تآزر واضح مع النزعة القومية، إضافة إلى أنها قدمت تبريرًا قويًّا للإمبريالية الجديدة في أواخر القرن التاسع عشر.
وعلى هذا الأساس يرفض المنظور الطرح الذي تقدمه النظريتان الواقعية والليبرالية حول ديناميكية عمل النظام الدولي؛ سواء كانت السعي لامتلاك القوة والصراع عليها، أو التعاون عبر المؤسسات والاعتماد المتبادل، باعتبار أن هذه النظريات تحمل من التحيزات ما يجعلها لا تعبر عن حقيقة وطبيعة النظام الدولي. وقدم المنظور مقولات أخرى تُفسر آلية عمل النظام الدولي وتتسق مع بنيته الثنائية الاستقطابية "مركز وأطراف"، ومن أهم تلك المقولات: العرق. يمكن أن يساعد "العرق" في تفسير أنماط التفاعلات بين الدول التي تدعم نظامًا دوليًّا غير متكافئ، من خلال تحديد وجهين للعنصرية في العلاقات الدولية: الأول: يتعلق برؤية الدول ذات الأغلبية غير البيضاء على أنها غير مكتملة الأهلية، والثاني: يتعلق بالنظر إلى هذه الدول على أنها عدوانية بطبيعتها ومهددة. والمتوقع من هذه الإضافة هو مساعدتنا على الكشف عن الأبعاد المهمة وغير المرئية في السياسة العالمية، ذلك أن فهم كيفية تشكيل العرق والعنصرية للشؤون الدولية يعد ضروريًّا لتحقيق فهم أعمق وأكثر واقعية للعلاقات بين الدول في النظام الدولي.
من ناحية أخرى يرفض هذا المنظور مقولة "الفوضى" في العلاقات الدولية، ويرى أن النظام الدولي هرمي وليس فوضويًّا. وتعني الهرمية في السياسة الدولية نوعًا من الترتيب المنظم للدول؛ إذ تنتظم الدول في علاقات رأسية للفوقية والتبعية. وتتجلى التسلسلات الهرمية وتعزز نفسها في شكل أنماط عميقة من عدم المساواة. والأهم من ذلك أن التسلسلات الهرمية هذه تخلق البيئة والظروف التي يوجد فيها الفاعلون ويتفاعلون في السياسة العالمية من خلالها. ومن خلال وضع الجهات الفاعلة في علاقات مع بعضها البعض، يحدد التسلسل الهرمي الواسع من يحصل على ماذا وفق هذا التراتب الرأسي، ومن يمارس القوة على من وكيف، وهنا تظهر العنصرية ويظهر التمييز بوضوح ويتجلى أثر العرق في علاقات الدول بعضها ببعض.
يتضح انعكاس التسلسل الهرمي العنصري في العلاقات الدولية من خلال طريقتين أساسيتين؛ الأولى: النظر إلى البلد الواقع تحت خط اللون (أي البلدان التي تسكنها شعوب ملونة) على أنها تعاني من نقص في مستوى الحضارة ما يجعلها غير صالحة لتأسيس السيادة والقبول في أسرة الأمم المتحدة (كان ذلك خلال فترة منصف القرن العشرين). الثاني: بعد أن فتح باب الانضمام لكافة الدول وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، ظهر التمييز جليًّا في النظر إلى تلك الدول على أنها مصدر للتهديد والعدوان، ومن ثم تم التعامل معها على أنها مصدر خطر محتمل دائمًا على الدول البيضاء.
إن تمظهرات العنصرية والعرق والطبقية في النظام الدولي كثيرة بحيث يصعب حصرها، وكذلك الأمثلة التي تبرز هذه الديناميكية في بنية النظام وطريقة عمله، ولعل الناظر في دور القانون الدولي على سبيل المثال فيما يتعلق بالعلاقة بين المركز والأطراف، يرى بوضوح أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على دول المركز، وكذلك ما يخص مؤسسات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية؛ محكمة العدل والمحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن. لقد بُنيت هذه المؤسسات لترسيخ الهيمنة والمركزية الأوروبية (والغربية لاحقًا) وترسيخ التفاوت العالمي والتمييز بين الأمم "المتحضرة" والأمم "الهمجية والبربرية". ويتجلى دور العنصرية والعرق بشكل كبير كذلك في السياسة الخارجية للدول الغربية؛ يمكن على سبيل المثال المقارنة بين المعاملة التي تلقاها اللاجئون والمهاجرون من العرب إلى أوروبا خلال العقد الماضي إبان الثورات والحروب الأهلية التي شهدتها بعض الدول العربية منذ عام 2011، وتلك التي تلقاها اللاجئون الأوكران عقب اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية 2022 . أو يمكن المقارنة كذلك بين تحشيد وتفعيل كل الإمكانات العقابية التي تملكها المؤسسات الدولية تجاه روسيا بعد غزوها لأوكرانيا، مقابل تعطيل وعرقلة هذه الإمكانات أمام إسرائيل وما تمارسه من إبادة في حق الشعب الفلسطيني. وهكذا يمكن قراءة أبعاد العنصرية والتحيزات الأوروبية في كافة الأحداث التي تشكل علاقات المركز بالأطراف منذ عهد الاستعمار.
المبحث الثالث: تحدي أسرلة النظام الدولي
ظهر مصطلح الأسرلة أثناء حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، وعني به في المقام الأول تلك الحالة التي يدعي فيها شخص امتلاك شيء يخص شيئًا آخر؛ إنه بتعبير آخر مصطلح معبر عن حالة الاستعمار الاستيطاني القائم على نهب وسلب أرض الآخرين بدون وجه حق. والأسرلة Israeled من "إسرائيل" (إسرائيل الأولى أي الولايات المتحدة وإسرائيل الحالية) تفيد إبراز فردية الحالة الإسرائيلية في واقعنا الراهن باعتبارها حالة الاستعمار الاستيطاني الذي لا يزال يعمل لتحقيق السيطرة والاستيلاء على الأرض الفلسطينية، كما أنها تعد استمرارية لأشكال هذا الاستعمار التاريخية حول العالم (أميركا وأستراليا على سبيل المثال). ومن ناحية أخرى يشير مفهوم الأسرلة إلى مجموعة من القيم والأفعال التي تميز عملية الاستعمار الاستيطاني، هي: الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري وبناء دولة قومية حصرية للسكان الجدد.
أما عن تحدي المنظور الديكولونيالي لهذه للأسرلة فيرجع إلى أن الاستعمار يمثل قلب ومحور الاهتمام في هذا المنظور، وكذا يعبر مصطلح "الديكولونيالية" عن هدف واضح وصريح يتمثل في نقص/إنهاء/ التخلص من الاستعمار بكافة أشكاله. ويفرق بعض رواد هذا المنظور بين الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الاستيطاني باعتبار أن الثاني هو الذي يمارسه محتلون من الخارج قدموا بنية سابقة للاستقرار الدائم في أرض لا تخصهم، وتنطوي غاية الاستيطان على أن يكون مشروع هجرتهم ملازمًا لتهجير السكان الأصليين للأرض أو إبادتهم إن لزم، فهم مستوطنون قدموا ليبقوا من خلال تأسيس نظام سياسي جديد. وفي هذه الحالة، لا يُعتبر المستوطنون ممثلين لإدارة استعمارية في الخارج، كما أنهم لا يشعرون بضرورة الخضوع للإرادة الملكية المهيمنة في العواصم الحضرية (كما هو الحال في الاستعمار الاستغلالي)، فقد قدموا أساسًا بهدف إقامة دولة جديدة. ويؤسس أولئك المستوطنون سيادتهم على كل أرض تطؤها أقدامهم، بالتوازي مع سحق سيادة السكان الأصليين، وبما أن هدفهم هو إيجاد وطن جديد؛ فإنهم لا يتخلون بشكل كامل عن المجتمعات التي هجروها، بل تجدهم في محاولة دائمة لإعادة خلق هذه المجتمعات في المكان الجديد.
يُفرق هذا المنظور بين المستوطن الغاصب، والمهاجر أو اللاجئ الذي يصل إلى أرض محددة مسبقًا بوصفها دولة قومية قائمة؛ فغاية المهاجر واللاجئ هي أن يندمج في نظام سبق تأسيسه، لا أن يؤسس نظامًا جديدًا (كما جاء اليهود في عصر الدولة العثمانية وقبل فكرة تأسيس دولة إسرائيل). وفي هذه الحالة يُعد اللاجئ نقيضًا للمستوطن الغاصب؛ لأنه يصل قسرًا وبلا تخطيط سابق إلى أراض جديدة. أما وأن هدف المستوطن هو بناء دولة قومية "إقصائية بالضرورة"، فإن مشكلة الأسرلة وفق هذا المنظور تتمثل في الدولة القومية أو الدولة-الأمة. ومثلما كان الأمر في عام 1492 حينما بدأت إسبانيا بطرد اليهود والمسلمين لبناء دولة موحدة الديانة، فإن إسرائيل بوصفها دولة "حداثية" بدأت بإبادة الفلسطينيين وطردهم خارج أراضيهم، ولذا تختلف إسرائيل عن كافة الدولة "ما بعد الاستعمارية" في منطقتها؛ فبينما تأسست دول مثل مصر والجزائر والهند وغيرها بالمكافحة ضد الاستعمار، نشأت إسرائيل بدعم ورعاية إمبريالية من الدول الاستعمارية، هذا الدعم ما يجعل إسرائيل دولة ناجحة بينما تواجه معظم أو كافة الدولة التي نشأت بعد الاستعمار أسئلة وشكوك الاستمرار والبقاء.
من هنا فإن إزالة استعمار الدولة القومية "Decolonizing the National State" وتخلي الأمة عن الدولة -وليس دولة متعددة القوميات، أو حل الدولتين- هو الحل الذي يقدمه المنظور لمشكلة الأسرلة. وفي هذا الإطار يقدم محمود ممداني مقارنة بين نموذجين قُدما للحل تاريخيًّا؛ الأول: هو نموذج نورمبرغ، وهو الحل الذي يسميه ممداني بـ"الجنائي"، أي محاكمة القائمين على الإبادة الجماعية مثلما حصل مع النازية في ألمانيا، وإصدار أحكام جنائية بحقهم. ينتقد ممداني هذا الحل ويرى أنه لا يحل المشكلة، ولعل هذا واضح في دعم ألمانيا للإبادة التي تمارسها إسرائيل في فلسطين، وهو ما يعني أن النازية الألمانية لم تجتث من العقل والوعي الألماني بعد. أما النموذج الثاني الذي يرى ممداني أنه الحل الحقيقي للمشكلة: فهو نموذج "جنوب إفريقيا" وهو حل سياسي بالأساس وليس جنائيًّا، أي أن هذا المنظور لا يرى أي فائدة من محاكمة القادة الإسرائيليين أمام أي محكمة سواء دولية أو غيرها.
يتمثل نموذج "جنوب إفريقيا" في تجربة التخلص من الفصل العنصري، التي قامت على تحرير الشعب/الأمة من الحالة السياسية التي خلقها الاستعمار، والتي تمثلت فيما فعلته الحركة الجنوب إفريقية من المطالبة بنهاية الأبارتهايد إلى تقديم بديل للأبارتهايد، ومن سياسات الأكثرية -بتمثل الأغلبية السوداء المقهورة- إلى تمثيل الشعب كله، ومن المقاومة ضمن الشروط المرسومة من الأبارتهايد إلى إعادة تعريف الشروط نفسها لكيفية حكم جنوب أفريقيا. إن الطريق للمثال الجنوب أفريقي هو إدراك أن البحث عن العدالة سينجح فقط إذا كان مسبوقًا بالسعي لنظام سياسي جديد. وقد حققت القوى الداخلية في جنوب أفريقيا مكاسب (منقوصة) نحو العدالة في الاتفاقية من أجل جنوب أفريقيا ديمقراطي (الكوديسا) مطلع التسعينيات، لكنها كانت قادرة على ذلك لأنها كانت قد قوضت أصلًا النظام السياسي للأبارتهايد من خلال مراجعة الهويات السياسية المعرقنة وحشد أولئك الذين انتزعت ممتلكاتهم، كما أنها قد تعاملت مع الجميع (البيض والملونين) على أنهم ناجون من الأبارتهايد وليس بمنطق تفكير "ضحايا وجناة".
إن الدرس الأهم الذي يمكن الاستفادة منه من تجربة جنوب إفريقيا هو أن الأمة يمكن أن تتخلى عن الدولة، ويمكن أن تتخلى الأغلبية الدائمة عن مكانتها وتواصل العيش. لقد كان هذا الدرس الذي تعلمه الجنوب أفريقيين البيض. فبمواجهة انسداد عسكري يحيط بالأبارتهايد، وبتراجع ملحوظ عن دعم الطلاب والمثقفين البيض لمشروع الأبارتهايد، بدأ المجتمع المدني الأبيض ثم الدولة بالبحث عن مسارات بديلة لضمان موطن لا يتضمن احتكارهم للسلطة السياسية. لم يكن هذا بالضرورة نتيجة وحي أخلاقي، بل كانت هناك أسباب براغماتية لإعادة التفكير في الدولة ـ الأمة. بدا الجهد للحفاظ على الأبارتهايد بشكل متزايد مُضرًا بديمومة الوجود الأبيض في الدولة. وكانت الخلاصة أن استمرار مشروع تأمين السلطة كان على الأرجح سيعرض دعاوى البيض في الموطن للخطر، في حين أن هذه الدعاوى يمكن ضمانها فعليًّا بالتخلي عن مشروع الدولة.
في مقابل نموذج جنوب إفريقيا، يبرز نموذج نورمبرغ، والذي يدفعنا إلى النظر إلى عنف الدولة على أنه عنف محق، لأنه مشروع بالقانون، ويُجرم أي عنف آخر. يوضح هذا لماذا كان ضروريًّا في نورمبرغ أن يقدم الألمان الأفراد، لا الدولة الألمانية، للمحاسبة وأن يخضعوا لما ظهر أنه محاكمة قانونية. بما أن الدولة نفسها لا تلام، فالرايخ الثالث لا يمكن أن يتحمل المسؤولية جنائيًّا على سلوكياته، ولا "الحلفاء" الذين قضوا أعوامًا يقصفون المدنيين وكانوا مشاركين في أكبر عملية تطهير عرقي في التاريخ والتي أدت إلى مقتل نصف مليون ألماني. وبما أن المحاسبة أخذت شكل المحاكم على أساس القوانين التي قيل إنها عالمية، فالحلفاء استطاعوا أن يظهروا أنفسهم على أنهم داعمون للقيم المتشاركة من جميع البشر، وخصوصًا حكم القانون، ولم يتحملوا أي لوم على كارثة الهولوكست.
الخلاصة، أن الدرس الجنوب أفريقي لفلسطين وإسرائيل هو أن فلسطين التاريخية يمكن أن تكون وطنًا لليهود، ولكن ليس لليهود حصرًا. وهنا يتمثل التحدي الفلسطيني في إقناع السكان اليهود لفلسطين والعالم بأن الأمن طويل الأمد للوطن اليهودي في فلسطين التاريخية يتطلب تفكيك الدولة اليهودية، بقدر ما أن الأمن طويل الأمد للمواطن الأبيض في جنوب أفريقيا تطلب تفكيك جنوب أفريقيا باعتبارها دولة بيضاء. هذا التحدي قد يبدو مستحيلًا الآن، لسببين: أولًا لأنه لا أميركا الرسمية ولا إسرائيل الرسمية مقتنعتان بعد أن الحل العسكري لن يجدي في إسرائيل. وثانيًا: لأن اليهود في إسرائيل لم يقتنعوا بعد بأن لديهم خيارًا آخر عدا الصهيونية. إن إقناعهم مشروع سياسي، لا عسكري أو قانوني أو أخلاقي، ويتطلب النجاح القناعة أنه في عالم السياسة لا يوجد شيء مستحيل.
إن الحل الذي يقترحه ممداني يتطلب إعادة تعريف السياسة والسياسي، وذلك بتحرير المفهوم الأول من أبعاده الاستعمارية القائمة على العنف والإقصاء والتمييز والعرقية، وتحرير الممارسة السياسة كذلك من المكونات نفسها. كما أن هذا الحل يتطلب التفكير في دولة غير قومية؛ دولة لا يحدد الانتماء لها عرقيًّا أو إثنيًّا أو دينيًّا، ولا تقع في ثنائية الأغلبية-الأقلية، والذي يتطلب خضوع طرف إلى آخر، تمهيدًا لإقصائه أو استثنائه. لقد بحث التنظير الديكولونيالي في أشكال أخرى للدولة؛ من قبيل الدولة الحضارية، والتي وإن كانت غير قائمة في الواقع، إلا أن التفكير في الحلول دائمًا ما يتطلب الخيال والإبداع لطرح نماذج جديدة تعالج الواقع المعطوب.
خاتمة
إن تحدي السرديات التقليدية المهيمنة على العلوم الاجتماعية عمومًا والعلوم السياسية خصوصًا، ونقدها وتفكيكها والتفكير في بديل لها، هو مسألة في غاية الأهمية في الوقت الراهن. ذلك أن المفاهيم الغربية المهيمنة داخل هذه الحقول، تسبب حالة من العمى لمن يستخدم ويوظف المنظورات الغربية لقراءة وفهم الواقع. ولعل هذا ما يعطي التنظير الديكولونيالي أهميته الآنية.
ولا جدال أن تفكيك الاستعمار والتخلص من أسرلة النظام الدولي ممكن في الواقع، لكنه يحتاج إلى تفكيكه في العقل والنظر أولًا، ذلك أن تصور المشكلة بشكل صحيح هو جزء من حلها، كما أنه جزء من تصور البديل الملائم. ولعل أهم الخلاصات التي خلصت إليها الدراسة هي ما يلي:
1) لم يكن تشكل النظام الدولي الحديث مقرونًا حقًا بما تروجه السردية الأوروبية من علمنة وفصل للدين عن الدولة وما صاحب ذلك من عقلنة للحياة السياسية، والتي كانت أعظم تجلياتها "الدولة القومية الحديثة". إن هذه سردية أوروبية ربما تلائم واقع الغرب الداخلي. لكن العالم الآخر الذي مارست عليه أوروبا عنفها بحده الأقصى ممثلًا في الطرد والإبادة ثم الاستعمار والإذلال، ربما لا يتفق كثيرًا مع الطبيعة التنويرية المدعاة في سردية 1648.
2) تأسس النظام الدولي في بنيته على حالة من التمايز الحاد الذي يضع الدول في هرمية معينة بحيث تتمركز دول معينة في القمة وتقبع بقية الدول في القاع، وتبرز آثار هذا التمايز على أشدها في مؤسسات النظام الدولي وبالأخص مجلس الأمن الدولي. لقد اختبرت العديد من شعوب العالم غير الغربي المنظمات الدولية، وتحيزاتها وعدم قدرتها على حل المشكلات أو إنفاذ القرارات الأممية، وفي مقدمة هذه الشعوب الشعب الفلسطيني. ربما على دول العالم أن تعيد النظر في جدوى هذه المنظمات، خاصة مع وضوح تحيزاتها مرارًا وتكرارًا وعجزها عن اتخاذ القرارات الملائمة وتنفيذها لإيقاف الكوارث العالمية، وخاصة الإبادات الجماعية؛ بدءًا من البوسنة والهرسك عام 1992-1995، مرورًا برواندا عام 1994، وحتى غزة 2023-2025 (أفشلت الولايات المتحدة ستة مشاريع قرارات لإيقاف الحرب في غزة في مجلس الأمن كان آخرها يوم الخميس 18 سبتمبر 2025).
3) يركز التنظير الديكولونيالي على الدولة القومية الحداثية باعتبارها المشكلة الرئيسة، وهذه مسألة تحتاج إلى إطالة نظر، خاصة مع ثبات فشل هذه الدولة في العالم العربي في التعاطي مع مشكلات وقضايا الأمة العربية. ولقد أثبت الواقع منذ حرب الخليج الثانية مرورًا بغزو العراق وثورات الربيع العربي وحتى طوفان الأقصى، أن الدولة القومية في العالم العربي تمثل جزءًا رئيسًا من المشكلة. إن التفكير في صيغة أخرى "فوق قومية- ما بعد حداثية- حضارية" بات أمرًا ضروريًّا تفرضه موجبات الواقع العربي المأزوم.