حوار مع د. نادية محمود مصطفى حول: تحولات النظام الدولي منذ الحرب الباردة من منظور حضاري إسلامي
إعداد وحوار: د. سلمان بونعمان
في زمن تتسارع فيه التحولات الدولية وتتشابك موازين القوة بين الحضارات والدول، يمثل الحوار العلمي مع الأستاذة الدكتورة نادية محمود مصطفى – أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ورئيسة قسم العلوم السياسية الأسبق، وأحد أبرز الأوجه الفكرية في حقل الدراسات الحضارية والعلوم السياسية والعلاقات الدولية في العالم العربي– فرصة نادرة للغوص في عمق التحولات العالمية الراهنة من منظور تحليلي نقدي وحضاري متميز.
فالضيفة المفكرة، رئيسة مركز الحضارة للدراسات والبحوث، بخبرتها الأكاديمية الممتدة وتراكم إنتاجها البحثي منذ أكثر من ثلاثين سنة سواء في تحليل قضايا النظام الدولي، أو في فهم تداخل البعد الحضاري مع المعطيات السياسية والاقتصادية والعسكرية في العلاقات الدولية، تتبنى مقاربة حضارية إسلامية في تحليل العلاقات الدولية، كما تقترح قراءة مختلفة عمّا يسود في الأدبيات الغربية التي تختزل النظام العالمي في ميزان القوة المادية أو التوازنات العسكرية، وتنتقد تهميش الأبعاد القيمية والحضارية في التحليل والتأثير.
وتعد الدكتورة نادية محمود مصطفى من أبرز الأكاديميين العرب الذين أسّسوا مشروعًا متكاملًا في مجال العلاقات الدولية من منظور حضاري إسلامي، من خلال أعمالها الفكرية والبحثية التي أرست ملامح مدرسة عربية نقدية في حقل العلوم السياسية والعلاقات الدولية. فهي صاحبة مشروع "العلاقات الدولية في الإسلام" الذي توّج بصدور موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام (2022)، وهو من أكبر المشروعات العلمية التي أعادت الاعتبار للمقاربة الحضارية في دراسة التفاعلات الدولية. كما أن أعمالها السابقة، مثل «أوروبا والوطن العربي» (1987)، و«العلاقات الدولية في الفكر السياسي الإسلامي» (2013)، و«العدالة والديمقراطية: التغيير العالمي من منظور نقدي حضاري إسلامي» (2015)، و«العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: منظور حضاري مقارن» (2015)، شكّلت محطات تأسيسية في تطوير هذا الاتجاه.
ويُضاف إلى ذلك كتابها "مقاربة علم العلاقات الدولية: النماذج النظرية المتنافسة والأطر المعرفية المتباينة" بالإنجليزية، الذي يُعدّ من المساهمات العربية النادرة في الحوار الأكاديمي الغربي حول مناهج العلاقات الدولية. كما أشرفت على عدد من المشروعات العلمية الجماعية الرائدة، منها: «علم السياسة: مراجعات نظرية ومنهاجية» (2004)، و«العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة» في ثلاثة مجلدات (2016)، و«نحو مدرسة حضارية في حقل العلاقات الدولية» (2023).
تُبرز هذه الأعمال بجلاء عمق رؤيتها النقدية في الربط بين المعرفة والنهضة، وتؤكد انخراطها الفاعل في تأسيس مدرسة حضارية أصيلة في حقل العلاقات الدولية، تجمع بين التحليل السياسي الدقيق والرؤية الحضارية المتجذّرة في المرجعية الإسلامية.
إن الحوار الذي بين أيدينا، يجاوز توصيف اللحظة الراهنة، إلى تتبع جذور التحولات التاريخية والحضارية منذ نهاية الحرب الباردة، ويضع الأحداث في إطار تحليلي وحضاري أوسع، يفتح أمام القارئ العربي مساحة للتفكير النقدي في مسارات العالم وموقع الأمة داخله. كما يستشرف التداعيات المستقبلية للصراعات الكبرى، وخاصة انعكاساتها على العالم العربي والإسلامي، وعلى القضية الفلسطينية في ضوء حدث طوفان الأقصى.
إنه حوار شامل يربط بين الماضي والحاضر، تعرض معه -الدكتورة نادية- رؤيتها المركّبة لمآلات النظام الدولي بعد حرب غزة، وفرص القوى الصاعدة، فضلًا عن تحليلها العميق لإشكالية حضور الإسلام في العلاقات الدولية. وفي الأخير، تكمن أهمية هذا الحوار في منحه العقل العربي المسلم أدوات جديدة لفهم النظام الدولي من منظور حضاري وقيمي، لاستعادة الوعي النقدي بالذات والعالم، وتعزيز دور الأمة والمعرفة والقيم في العلاقات الدولية لمواجهة مشاريع الهيمنة.
نص الحوار:
المحور الأول: خصائص النظام الدولي الراهن
بداية، كيف يمكن توصيف النظام الدولي الراهن؟ هل نحن أمام نهاية النظام الدولي القائم، أم في مرحلة انتقالية، أم بصدد نظام جديد لم تتضح معالمه بعد أسميته بالنظام الدولي السائل؟
أولًا- تتطلب الإجابة عن هذا السؤال الواسع تمهيدًا يمكن ترتيبه في ثلاث نقاط:
هذا سؤال طنان دائم التكرار منذ 1991 عن ماهية وتوصيف "النظام الدولي المعاصر"، ويصعد طنينه بين حين وآخر، مع انفجار حدث ساخن: حرب أو حروب إقليمية كبرى، أزمة اقتصادية أو بيئية أو صحية عالمية، إعلان عن نظم تكنولوجية فارقة، أو عن أسلحة جديدة... وهكذا.
ويستصحب الطنين من مرحلة لأخرى مفاهيم أخرى جديدة إلى جانب مفهوم "النظام الدولي"، تبدو للبعض مترادفات، وتبدو لبعض آخر بدائل؛ مثل: "النظام العالمي"، "النظام المعولم"، "النظام العبر-قومي"، "النظام الفوق-قومي"، "نظام اللادول"...، وقد تبدو هذه المفاهيم الجديدة لدى بعض ثالث مستوى مقارنًا للتحليل: "نظام الأمم" أو "عالم الحضارات"، "نظام العلاقات" Relationship System، وقد تظهر لدى فريق رابع مفاهيم أكثر تحديدًا ومعبرة نوعيًّا: النظام السياسي العالمي، النظام الاقتصادي العالمي، النظام الثقافي العالمي، أو النظام الإيكولوجي للكوكب.
ولدى كثيرين ولأنه أكثر ذيوعًا وشيوعًا، يبدو مصطلح "النظام الدولي" شأنًا طبيعيًّا بسيطًا فيفتي الجميع بشأنه، ويتحدثون فيه وعنه كما يتحدثون في الشؤون اليومية العادية، إلا أن الأمر ليس كذلك خاصة عند المتخصصين؛ إذ يجب أن نحدد عما نتكلم: أي هذا المفهوم الذي هو مفتاح تنظيم تدبرنا في هذا العالم المعقد المركب سريع التغيير الذي نعيش فيه ويعيش فينا، وكذلك نحدد كيف، ولماذا نتكلم عنه.
وإجمالًا، وقفزًا على هذه "التنويعات" المفاهيمية التمهيدية، فإن مفهوم "النظام الدولي" هو تصوير تجريدي للعالم استند إلى -وانبثق عن- "نظرية النظم العامة"، التي وجدت أولى تطبيقاتها في مجال البيولوجيا والعلوم الصلبة بصفة عامة، وكان من قبل يطلق عليه اسم "المجتمع الدولي". بدأ مفهوم "النظام" ينتقل إلى مجال العلوم الاجتماعية والسياسية في المرحلة السلوكية من تطور العلوم الغربية الحديثة (خمسينيات وستينيات القرن العشرين)؛ محدثًا ثورة في دراسة السياسات المقارنة والسياسات والعلاقات الدولية، باعتباره مستوى تحليل كليًّا شاملًا. يقدم مفهوم "النظام العالمي" تصورًا مجردًا عن كون العالم نظامًا؛ أي "إطارًا" كليًّا، مكونًا من "وحدات" -أو فواعل- "تتفاعل" بعضها مع بعض -صراعًا أو تعاونًا- حول مجموعة من "القضايا ذات الأولوية"، وعلى نحو يُبرز "هيكلًا" لهذا النظام؛ هيكلًا لتوزيع القوة العالمية بين المتفاعلين من ناحية أولى، كما يبرز -من ناحية ثانية- "حالة" لهذا العالم في ظل هذا الهيكل (أكثر حروبًا أم أكثر سلامًا واستقرارًا)، وفي ظل "منظومة سائدة" على هذا النظام من ناحية ثالثة.
تتحدد جميع هذه الأبعاد، وتتشكل بمجموعة من المحددات؛ مثل: الثورات العلمية (الفكرية، الصناعية، والتكنولوجية والمعلوماتية...) التي تنعكس على أدوات القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، وحال المجتمعات والثقافات والهويات.. وغيرها. ومن ثم يتم وصف النظم الدولية استنادًا إلى أحد هذه الأبعاد (وفقًا للمنظور السائد أو المستخدم)؛ فمثلًا:
النظام الأحادي أو الثنائي أو المتعدد القطبية: هو وصف وفق معيار "الهيكل"، وبالتركيز على "عدد" القوى الكبرى المتحكمة في عناصر القوة العالمية المادية، والتي تسعى أيضًا للهيمنة المادية. وهذا هو تصور المنظور الواقعي.
وفي المقابل، فإن وصف النظام بأنه: رأسمالي/ اشتراكي، تقليدي أو حديث، عادل أو ظالم، عنصري أو مهيمن، هو وصف ينتسب إلى الأيديولوجية أو الغاية الثقافية والقيمية، التي تحكم النظر إلى النظام.
كذلك وصف النظام بأنه: نظام حرب باردة، أو نظام أمن واستقرار أو نظام حروب كبرى، هو وصف ينتسب إلى حالة العلاقة بين الكبار، وإن السلام الكبير (بين الكبار) لم يمنع اندلاع الحروب الكثيرة (بين الصغار) عبر العالم، وبتحريك من الكبار.
لكن هذه الطرق الثلاث لتوصيف العالم، هي وجه واحد من وجهي العملة. فللعملة وجه آخر يتعلق بما تتجاهله المنظورات الغربية الوضعية المادية: فأين الشعوب؟ وأين الدول الصغرى؟ وأين مظاهر وعناصر القوة غير المادية؟ وأين حروب المقاومة لهيمنة الكبار أو احتلالهم أو سيطرتهم؟ وأين منظومات القيم المقابلة للمنظومة الغربية السائدة المفروضة قهرًا وقسرًا من أعلى؟ وما هي التهديدات العالمية التي تتهدد الشعوب لا النظم أو الدول وحدها؟
السؤال الأهم من هذا الطنين المتكرر، ومن تلك المفاهيم الشائعة الذائعة المتقابلة أو المتداخلة عن نفس الموصوف: "العالم"، والأهم أيضًا من ذلك التنظير لمفهوم "النظام"؛ هو السؤال: من الذي ينظر ليصف ماذا؟ وما نوع النظارة (الرؤية، المنظور) التي يرتديها، والتي تحدد له مداخل وزوايا ومستويات الوصف من ناحية، ومستويات الحكم على المرحلة الراهنة لتطور العالم: انتقالية، سائلة، نهاية..، ما بعد.. إلخ، من ناحية أخرى؟
تختلف المدارس أو المنظورات (أيًّا كان الاسم العلمي لتلك النظارة) في إعطاء الأولوية لواحد دون آخر من تلك الأبعاد: أبعاد دراسة "النظام الدولي"؛ وصفًا كان أو متابعة للتطور. وتميز بينها أسئلة من قبيل: هل الفواعل في النظام الدولي هي كبار الدول فقط بينما صغارها هي المفعول بها؟ هل القوة والتفوق العسكري هما الأساس في هذا النظام؟ متى يكون العالم أكثر سلامًا واستقرارًا، وبالنسبة لمن؟ هل هناك قيم يجب أن تحكم هذا العالم عدا قيمة القوة العسكرية والاقتصادية وعدا موازين مثل توازن القوى والمصالح القومية؟ هل الذاكرة التاريخية مهمة لحسن فهم مسار هذا النظام المعاصر (مثلًا منذ 1991)، ولتدبر مآله وتحديد مفاصل تغيره وصولًا إلى مفصل تحوله إلى نظام مغاير؟
لعل هذا التمهيد يكشف لنا أن أمر توصيف "النظام الدولي أو العالمي" توصيفًا علميًّا منهجيًّا، ليس كما يستبسطه الكثيرون ويخوضون فيه دون خلفيات نظرية ومنهجية أساسية.
ثانيًا- على ضوء هذا التمهيد أستطيع أن أسجل -من منظوري الحضاري- عن خصائص النظام العالمي الحالي، وحالته القائمة، ومؤشراتها، ما يلي:
النظم الدولية لا تتحول من نظام إلى آخر فجأة أو مرة واحدة، فـ"التغييرات" تستغرق مراحل ممتدة متعاقبة يمايز بينها "مفاصل تاريخية"، حتى تُحدث تراكمات التغييرات "تحولات" في الهيكل، وفي أنماط التفاعلات، وفي منظومة القيم الحاكمة.
فالنظم الدولية، مثل الحضارات، تشهد مراحل تكّون، ثم صعود وصولًا إلى ذروة، ثم تشهد مراحل انحدار فتصفية ونهاية؛ ليبرز نظام جديد. والتاريخ، منذ عصر ظهور الإسلام، يقدم لنا أنماطًا متعاقبة من النظم الدولية التاريخية، التي مرت بدورات صعود وهبوط؛ بما فيها "النظام العالمي الإسلامي" ذاته؛ ابتداء من بداية الرسالة وحتى الآن. وفي المقابل، نجد النظام العالمي الغربي الذي عاد -بعد أن تمت تصفية طبعته الأولى "الرومانية"- عاد إلى دورة صعود ثانية بدأت منذ صلح ويستفاليا 1648، تمتد لقرابة أربعة قرون حتى الآن. هذا، في حين أن النظام العالمي الإسلامي استغرق صعوده التدريجي، عبر مفاصل متراكمة، قرابة عشرة قرون، وصل خلالها إلى عدة "ذروات"، ونزل إلى عدة "انحدارات"، حتى بدأ الأفول تدريجيًا منذ أربعة قرون.
ومنذ قرنين، تأكدت سيادة هذا النظام العالمي الغربي الحديث؛ ليفرض على العالم صراع القوى المسلح؛ سواء بين أركانه (القوى الأوروبية الكبرى)، أو حول استعمار أرجاء العالم. ومن ثم فرضت هذه "الحالة" علينا النظرَ إلى "النظام الدولي" بمنظار "صراع القوى" بين الكبار؛ أي من زاوية "هيكل النظام" بالأساس؛ وهو النظام الذي -وإن انقسمت أيديولوجيته في القرن العشرين بين رأسمالي وشيوعي في ظل نظام تعددي، فترة ما بين الحربين ثم ثنائي حتى 1991- فإن رؤوس القومية عادت لتطل على هذه الصراعات منذ تسعينيات القرن الماضي. كما أن هذه الصراعات لم تعد غربية-غربية فقط، بل انتقلت إلى صراع مع الشرق بحضاراته المتنوعة (إسلامية وغيرها)، خاصة بعد صعود مقاومة الأخيرة للهيمنة الغربية بأشكال عدة، ولأهداف متنوعة؛ على رأسها: مقاومة الاحتلال العسكري، ومقاومة الهيمنة الاقتصادية والثقافية الغربية، ومقاومة مشاريع الصهيونية العالمية، ومقاومة السعي لتغيير هيكل النظام الدولي وقيمه التي يشكلها ويفرضها "الغرب".
كان عام 1991، مع نهاية الحرب الباردة والقطبية الثنائية، مفصلًا تاريخيًّا جديدًا في ذروة "النظام الغربي الرأسمالي".. بدأت منه مرحلة التحديات والتهديدات؛ بينما يحاول هذا النظام أن يحمي هيمنته وأحاديته التي اعتقد أنها تحققت له بدون حرب كبرى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. لذا لم تشهد العقود الثلاثة الأخيرة من عمر "النظام الدولي" صراعًا من أجل إعادة هيكلة النظام نحو تعددية فقط، ولكن شهدت أيضًا أنماطًا من التهديدات متعددة المستويات للهيمنة الغربية، وللأحادية الأميركية؛ سواء من الفضاءات الحضارية غير الغربية، أو من داخل الفضاء الحضاري الغربي ذاته. واكتسبت الحالة العالمية اندماجًا واضحًا بين الأبعاد المادية والقيمية، وبين الداخل والخارج، وبين المصالح والهويات.
وماذا عن التحديات والتهديديات من المجالات الحضارية الأخرى في ظل العولمة؟
أما عن التحديات والتهديدات من الفضاءات الحضارية المتعددة في ظل العولمة، فيمكن الإشارة إليها من خمس نواحٍ:
من ناحية أولى: لم تحقق العولمة ذلك التنميط العالمي الذي استهدفته المنظومة الغربية الرأسمالية والثقافية، وأضحى "ما بعد العولمة" واقعًا قائمًا يفرز قوى مضادة للعولمة؛ قوى ناقدة للآليات والقيم الرأسمالية المتوحشة التي حاولت أن تتجمل بعناوين قيم حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية المستدامة. وبقدر ما كانت آليات العولمة محتكرة غربيًا بقدر ما كانت صديقة أيضًا للشعوب المستضعفة.
من ناحية أخرى: أمدت الثورة المعلوماتية والاتصالية الشعوبَ والقوى والحركات الاجتماعية بمنظومة من الأدوات الجديدة التي تتحدى بها سيادة النظم في الدول القومية وهيمنة قوى العولمة الغربية. ومن ثم أضحت أركان النظام الدولي التقليدي موضع تحدٍّ حتى وصف هذا النظام المعاصر بأنه نظام بلا دول... وإن ظلت الدول القومية صغيرة أو كبيرة ذات دور أساسي في هذه المرحلة من تغير النظام الدولي، إلا أن تغير طبيعة أدوارها ودرجة إطلاق سيادتها أفسح مجالًا أوسع للفواعل من غير الدول التي تمارس الآن تأثيرها على تغير النظام الدولي ليصبح نظامًا عالميًا يحمل أجندة قضايا جديدة، إلى جانب القضايا التقليدية التي حملتها الدول بالأساس.
ومن ناحية ثالثة: وعلى عكس النظام الدولي الثنائي خلال الحرب الباردة الذي سيطر عليه الصراع الأيديولوجي وصراع القوى العسكرية التقليدية، فإن العقود الثلاثة الأخيرة منذ 1991، شهدت تصاعدًا في أهمية الأبعاد الدينية والثقافية والحضارية بصفة عامة؛ بوصفها محركًا ودافعًا ومبررًا للصراعات، بل أداةً من أدواتها. وتجلى هذا الأمر على أكثر من مستوى؛ من قبيل: تجدد انفجار صراعات إقليمية ومحلية ذات جذور تاريخية عرقية أو قومية أو مذهبية، صعود التدخلات الخارجية الغربية في المجتمعات لإعادة تشكيل الهويات وتفكيك تماسك هذه المجتمعات إضعافًا لقدرتها على المقاومة الحضارية الشاملة ضد الاحتلال والهيمنة.
وأخيرًا، أضحت هذه الأبعاد الجديدة رداء لتبرير الحرب العالمية الأميركية الجديدة؛ أي الحرب العالمية على الإرهاب وخاصة على العالم الإسلامي: العدو الجديد "للغرب"، وفي المقابل كان العدو الجديد الحقيقي يصعد في فضاءات حضارية أخرى –أكثر قوة وتحررًا- وخاصة الفضاء الحضاري الروسي والصيني. ولقد صبغت هذه الأبعاد الدينية والثقافية صراعات القوى الجارية من أجل إعادة هيكلة النظام الدولي من الأحادية الأميركية إلى التعددية أو أشباهها.
ولكن يظل السؤال: هل سينتقل مركز القوة العالمية نحو الشرق ليصبح نظامًا عالميًا روسيًّا أو صينيًّا؟ ومتى؟ وكيف؟ ولكن -من ناحية أخرى- يظل هناك سؤال آخر أكثر أهمية: هل ستظل النظم والدول هي مناط ومحك هذه التغيرات الجارية، ولن يظهر للشعوب تأثير أكبر ليصبح العالم أكثر عدالة وإنسانية، وليس مركزيًا -غربيًا أو شرقيًا- فقط؟
ومن ناحية رابعة: تراكمت تأثيرات هذه الخصائص في الهيكل وأنماط القضايا ومحركات التفاعلات على جانب مهم من جوانب النظام العالمي المعاصر؛ ألا وهو طبيعة الحروب والقوى المتحاربة؛ حيث برزت أنماط جديدة تقع في صميم التوازنات العالمية، بل تختبر حقيقة هذه التوازنات وحالة اقتسام مناطق النفوذ بين القوى الكبرى القديمة والقوى الصاعدة عالميًا وإقليميًا. وعلى رأس هذه الحروب: الحروب السيبرانية، وحروب المسيرات، وحروب الجيل الرابع والخامس (الحروب داخل المجتمعات بأدوات غير عسكرية).
ومن ناحية خامسة: تظل "الشرعية الدولية" -المفهوم الذي صُك 1991 وكذلك القانون الدولي والتنظيم الدولي- محل اختبار متجدد مع كل أزمة أو حرب ساخنة؛ حيث يتأكد أن القوة والمصالح هي التي تحدد قدر احترام القانون وتطبيقه، أو قدر التسييس الذي يخضع له من جراء استمرار صراع القوى والمصالح، فما زالت الحرب الباردة جاثمة على مجلس أمن الأمم المتحدة، ويتضح هذا في شكل المواجهة بين الـﭬيتو الأميركي من ناحية والـﭬيتو الصيني والروسي من ناحية أخرى. كما تعرضت مؤسسات عالمية هامة لضغوط وقيود مثل المحكمة الجنائية الدولية، محكمة العدل الدولية، اليونسكو. وتم انتهاك سيادة الدول وحقوق الشعوب في عديد من الحالات وعلى نحو مخالف للقانون الدولي وحقوق الإنسان تحت ذريعة محاربة "الإرهاب العالمي".
هل يمكن القول في هذا السياق وبناء على تحليلكم بأن النظام الدولي الغربي يفقد عناصره قوته وتفوقه؟
إن النظام الدولي الغربي الرأسمالي يفقد بالتدريج عناصر تفوقه الاقتصادي والعسكري، وعناصر تماسك التحالف بين قواه الكبرى: الأوروبية والأميركية، وتواجه منظومةُ قيمه تحديًا كبيرًا من داخله ومن خارجه، وهو تحدٍّ يهز شرعيته ومشروعيته الأخلاقية، ويفضح أسطورة "عالميته" المفروضة قسرًا من أعلى. ولقد كانت المقابلة بين "الحرب الروسية على أوكرانيا" و"الحرب الإسرائيلية على غزة" ذات دلالة كبيرة، برزت من قلب "صمود طوفان الأقصى: شعبًا ومقاومة مسلحة (كما سنرى). وفي المقابل يبدو أيضًا أن التحديات من داخل الدول الأوروبية، ومن داخل الولايات المتحدة، تؤثر على فعالية وقدرة هذا النظام الغربي على مواجهة التحديات العالمية لاستمرار هيمنته؛ ومن أهمها: أزمات الديمقراطية التمثيلية الداخلية، وتصاعد اليمين، والأزمات الاقتصادية، وأخيرًا -والأهم- الاستقطابات الفكرية والأيديولوجية في الولايات المتحدة بين ركني الديمقراطية الأميركية: الديمقراطيين والجمهوريين، التي تصاعدت عبر العقود الثلاثة الأخيرة تدريجيًا، ووصلت إلى قمتها مع إدارة ترامب الثانية؛ لدرجة دفعت بعض الأوساط لوصف ما يجري داخل أميركا بأنه "حرب أهلية ثقافية"، تنذر أن تنفجر تحت ضغوط سياسات ترامب المتحدية لكل منظومة قيم النموذج الأميركي الداخلية.
إن الوضع القائم للنظام العالمي -وهو يشهد تنافسًا صراعيًّا على إعادة تشكيل هيكل قوته- إنما يواجه من ناحية أخرى مجموعة من الأزمات والتهديدات العالمية الحضارية باقتدار؛ أي تلك التحديات التي تتصل بالشعوب لا بالحكام ورجال الأعمال ومركبات الصناعات العسكرية فقط؛ إنها أزمات وتهديدات تواجهها كل شعوب العالم، ولو بدرجات مختلفة؛ لأنها تمس "أمن هذه الشعوب": الأمن الإنساني في مجمله (حياة، غذاء، ماء، بيئة).
تتطلب جميع هذه الخصائص والتحديات والتهديدات والتحولات منظورات بديلة للمنظورات الصراعية والتنافسية التي تحكم سياسات الغرب العالمية، وكذلك سياسات القوى الصاعدة تجاه بعضها البعض، وتجاه الجنوب العالمي. إن إدارة هذه التهديدات -حمايةً للكوكب وللبشرية، وتحقيقًا للعدالة والإنسانية- تتطلب منظورًا عالميًا يخلص العالم من منظور الحرب الكوكبية الذي تقوده إدارة ترامب، وما سبقها من إدارات أميركية.
المحور الثاني: القوى الكبرى بين الهيمنة وتحديات القوى الصاعدة
إلى أي حدّ ما زالت القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، بريطانيا) قادرة على الاحتفاظ بمراكز نفوذها الاستراتيجية؟ هل فقدت هذه القوى بعض قواعدها القديمة لصالح قوى أخرى، أم أنها أعادت تموضعها بطرق جديدة؟ ما ملامح بروز القوى الجديدة –سواء كانت دولية أو إقليمية– وما حدود قدرتها على تحسين موقعها في خريطة النفوذ الدولي؟
يعد التوازن بين القوى الكبرى السائدة (الولايات المتحدة وحلفائها من كبار الأوروبيين: فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، وبين القوى الكبرى المتجددة (روسيا الاتحادية)، والقوى الكبرى الصاعدة (الصين)، من أهم المحددات لمستقبل التحول في النظام العالمي؛ من الأحادية أو أشباه التعددية، إلى تعددية حقيقية. ولقد شهد العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وحتى الآن، احتدام المنافسة بين المهيمن الأميركي الغربي منذ نهاية الحرب الباردة، وبين المتحدين لهذه الهيمنة من الشرق. وما زالت التغييرات في مراكز وأدوات القوة تجري على قدم وساق، ويتم اختبارها على أكثر من جبهة. لذا لم تتضح بعدُ -بطريقة حاسمة- مناطق النفوذ القديمة والجديدة:
فلقد تحدت الحرب الروسية-الأوكرانية (منذ الاستيلاء على شبه جزيرة القرم 2014) الأمن الأوروبي والتحالف الأوروبي-الأميركي في مواجهة روسيا، لكن بالطبع على نحو مغاير لما كان حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين. ومع هذا، يظل التوجه الروسي نحو الغرب معطاة أساسية في الاستراتيجية العالمية الروسية، وفي الاستراتيجية الغربية للأمن الأوروبي.
وعلى الجانب الآخر من العالم يحتدم التنافس الأميركي-الصيني عسكريًّا في جنوب المحيط الهادي وبحر الصين، إلا أن النمو الصيني الاقتصادي، والحرب التجارية الأميركية-الصينية، تبدو الأكثر حدة. بينما يظل للشريك الأوروبي تحفظاته على هذه الحرب؛ حفاظًا على المصالح الاقتصادية الأوروبية مع الصين (التجارة)، بل مع روسيا أيضًا (استيراد الغاز الروسي).
وفي حين تتراجع مواقع أوروبا وأميركا في أفريقيا جنوب الصحراء، فإن الخطوات الروسية والصينية –العسكرية والاقتصادية- تزداد تدريجيًا عبر أرجاء أفريقيا: ساحلًا شرقيًا، وساحلًا غربيًا على حد سواء. هذا ناهيك بالطبع عن مسار الصين الآخر فيما يعرف بـ"خط الحرير الجديد"، الذي يزرع النفوذ الصيني السياسي ملتحفًا بالوجود الاقتصادي تمركزًا على "طرق"، وفي موانئ بحرية، في آسيا وأفريقيا على حد سواء.
وفي حين يشهد التحالف الغربي: الأميركي-الأوروبي، وخاصة منذ إدارة ترامب الأولى، تحديات لاستمرار تماسكه في شكل تحالف ذي ركيزتين (إحداهما أوروبية والأخرى أميركية)، فإن تحالفًا يبدو أنه ينمو ويتدعم بين روسيا والصين، وبينهما وبين كوريا الشمالية. وكان مشهد احتفال بكين بالعيد الثمانين لانتهاء الحرب الباردة أول سبتمبر 2025 ذا دلالة مهمة بالنسبة للجديد المتفوق في التسلح الصيني، وبالنسبة للتوازن الصاعد في الشرق الأقصى. فقد حضر الاحتفال رئيسا روسيا وكوريا الشمالية في إطار يشيد بالتحالف الثلاثي وأهدافه ومصالحه؛ وهو تحالف محكوم بمصالح قوية مباشرة متبادلة، وليس مدفوعًا فقط بالمواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا. وعلى رأس هذه المصالح الحيوية المتبادلة: احتياجات الصين المتزايدة إلى البترول والغاز الروسيين، واحتياج الأخيرة لبدائل للسوق الأوروبي خوفًا من قرارات المقاطعة بسبب الحرب على أوكرانيا. ومن ناحية أخرى، فإن احتياجات التنسيق الأمني في وسط آسيا فرضت نفسها على القوتين؛ مما أدى إلى تنشيط "مجموعة شنغهاي للأمن" إلى جانب التنسيقات الخاصة وتوزيع الأدوار المحدود حول مساندة إيران وحول المواقف من القضية الفلسطينية، والتي اتسمت بانعدام مبادرة فاعلة من الجانبين، كما ظهر بصفة خاصة تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة منذ عامين.
خلاصة القول: إن اللعبة بين الكبار القدامى والكبار متجددي القوة المنافسين الصاعدين، تجري على ساحات عدة، ووفق قواعد لعبة جديدة لا يتحكم فيها فقط التفوق العسكري، ولكن التفوق التكنولوجي والاقتصادي بالأساس، واللذان أضحى الحفاظ عليهما -بل السبق فيهما- يتطلب أدوات وأساليب جديدة في التنافس، لا تشابه بالطبع قواعد الحرب الباردة القديمة، ولا تضرب تمامًا مراكز نفوذ البعض لصالح البعض الآخر بصورة حاسمة. ومع ذلك يبقى الشرق الأوسط، وفي قلبه إسرائيل، محوطة بالفضاء العربي والإيراني والتركي (كما سنرى)، في مجال نفوذ أميركي أوروبي منفرد، لا ترغب روسيا ولا الصين في الاقتراب منه بصورة تحدٍّ مباشر؛ وذلك ربما استجابة لمقاصات "استعمارية" تجري وراء الكواليس، وربما تنفيذًا لأجندة القضايا ذات الأولوية.
هنا نصل إلى سؤال مهم يتصل بأهداف ومآلات التنافس والصراع بين القوى الكبرى السائدة والمتحدية كما عبرت عن ذلك؟ هل تسعى تلك القوى المتحدية للهيمنة الغربية الحالية على النظام الدولي إلى تغيير جذري في هذا النظام: هيكلًا ومنظومة قيم على حد سواء؟ أم إنها تريد فقط أن تصعد سلم القوى في إطار نفس منظومة النظام القائم اقتصاديًا وسياسيًا؟ ومن ثم، هل تستطيع قوى "شرقية" أن تخلق هيمنة عالمية –ثقافية أيضًا- على غرار الغربية السائدة حاليًا؟ وهل تستطيع، في ضوء منظومة القيم الشرقية والآسيوية، أن تقترب من نظام أكثر عدلًا وإنسانية، وحرية من نظام الحداثة العلماني الغربي الذي تحركه وتحكمه قوى الرأسمالية الصهيونية الغربية؟
فيما يبدو، حتى الآن، أن كلًّا من الصين وروسيا تعيدان بناء قوتهما الصاعدة المتحدية في نطاق النظام الرأسمالي العالمي القائم. إلا أن هناك -من ناحية أخرى- مؤشرات على محاولتهما الانفلات، ولو بالتدريج من النظم orders المالية والتجارية العالمية القائمة، وليس تجمع "البريكس" العابر للقارات إلا أحد المؤشرات والآليات المحتملة لهذه المحاولة.
يضم هذا التجمع (البريكس) -إلى جانب روسيا والصين- مجموعة رئيسية من القوى الإقليمية: جنوب أفريقيا، والبرازيل، والهند، ثم انضمت لاحقًا إيران والسعودية ومصر. وبالطبع، تقوم هذه القوى الإقليمية بأدوار إقليمية بالأساس، لها امتدادات عالمية بحكم طبيعة الرابطة مع واحدة من القوى الكبرى الغربية أو الشرقية. ومن أبرز هذه الروابط تلك القائمة بين إيران وكل من روسيا والصين، والمناورة السعودية بين تدعيم التحالف مع الولايات المتحدة والتقارب مع كل من الصين وروسيا. وبالطبع، فإن الدور الهندي في نطاق الاستراتيجية الأميركية في آسيا يكتسب أبعادًا مهمة في المواجهة الأميركية مع روسيا والصين...إلخ. هذا، وما زالت التساؤلات تدور، بعد عقد من تكوين تجمع البريكس، حول طبيعة نضوج دوره وقدرته الفاعلة على تحدي الهيمنة الأميركية على النظام العالمي، أم أنه سيظل مجرد أداة من أدوات التحالفات السريعة والتحالفات المضادة لا تقود إلى تغيير جذري؟
ومما لا شك فيه أن صعود الدور الروسي والدور الصيني قد أعطى فرصة للمناورة لكل من إيران وباكستان وتركيا، إلا أن ذلك لا يعني تشكل أحلاف دائمة في مواجهة أخرى؛ أي لا يعني انقسام العالم إلى معسكرين مثلًا. فلا يوجد قطبان، ولكن يوجد نظام شبه تعددي لم تستطع قواه الصاعدة المتحدية بعدُ أن تُنهي حالة شبه الأحادية الأميركية الآخذة في التراجع؛ سواء من الداخل الأميركي ذاته، أو من داخل التحالف الغربي الأوروبي-الأميركي.
لقد أضحى الاختلاف الأميركي-الأوروبي الحالي (منذ إدارة ترامب الثانية) حول كيفية وقف الحرب على أوكرانيا، اختبارًا مهمًّا لموقف التحالف الغربي تجاه روسيا؛ حيث إن تصور ترامب يخفف من حجم تهديد روسيا على عكس أوروبا التي ما زالت تعتبر روسيا التهديد الأول للأمن الأوروبي؛ ومن ثم ضرورة استمرار مواجهته بالإجراءات الأمنية الجماعية من خلال الناتو، فضلًا عن الإجراءات الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى، لم يتشكل الجنوب في تجمع خاص به في مواجهة القوى الكبرى الغربية أو الشرقية (كما حدث مع العالم الثالث حتى 1991). فرغم تردد مفهوم "الجنوب العالمي" Global South، إلا أنه لم يتجمع في كيان عبر-قاري، وظل مشدود الأطراف بين تنظيمات وتجمعات قارية أو نوعية، شاملة أو جزئية، دون قدرة على التأثير على هيكل القوة أو نمط التحالفات أو حالة النظام العالمي بطريقة جذرية.
لذا، يظل النظام العالمي -عبر هذا المفصل التاريخي منذ 1991- في حالة من التفاعلات متعددة المستويات، ودون حسم حتى الآن؛ سواء من حيث هيكل جديد للنظام، ونمط أحلافه، والأهم منظومة قيمه الحاكمة؛ وهو الأمر الذي انعكس على حالة النظام العربي والعالم الإسلامي؛ وفي قلبه الصراع مع إسرائيل والصهيونية العالمية.
المحور الثالث: انعكاسات التحولات العالمية على العالم العربي
ما هي انعكاسات هذه التحولات الدولية على العالم العربي؟ وكيف ستؤثر هذه المتغيرات على مستقبل العالم العربي والأمة الإسلامية؟
أولًا- انعكاسات التحولات الدولية على العالم العربي
يمكن الاقتراب من انعكاسات التحولات العالمية على النظام العربي على مستويين: مستوى داخلي؛ أي داخل الأوطان، ومستوى نظمي؛ أي يتصل بتداعيات التغييرات في هيكل النظام العالمي وحالته على التفاعلات الإقليمية العربية-العربية ومع جوارها الحضاري من ناحية، وموضعها -من ناحية أخرى- من لعبة التوازنات العالمية حول المنطقة.
وابتداءً يجدر الإشارة إلى ثلاثة أمور أساسية: أولًا- أن هذين المستويين (الداخلي والنظمي) غير منفصلين، وثانيًا- أن القلب العربي من الأمة الإسلامية -وجميع الأمة- يقع دائمًا -عبر تاريخها: صعودًا أو انحدارًا- في قلب تفاعلات العالم وتغير توازناته؛ وسواء أكانت الأمة شاهدة أو مشهودة، وثالثًا- أن القلب العربي من الأمة الإسلامية لا يحسن فهمه منفصلًا عن جِوَاريهِ الحضاريين التركي والفارسي، وأن هذا الفهم لا يحسن أيضًا إلا من خلال منظور حضاري لا يفصل المادي (العسكري والاقتصادي) عن غير المادي (هوية وثقافة وتاريخًا ومرجعية حضارية)، ولا يفصل النظم الرسمية عن المجتمعات والشعوب.
من منظور هذه الركائز الثلاث ننظر في المستويين: الداخلي والنظمي:
المستوى الأول:
شهدت الأمة -دائمًا وعبر تاريخها- جولات من التثاقف والتبادل الحضاري مع الأمم والحضارات الأخرى. وكان لكل مرحلة تاريخية خصائصها وأنماطها من حيث مصدر الأخذ ومصدر العطاء. هذه قضية تفصيلية، لكن مفادها -إجمالًا- أن الأمة، في ذروة قوة حضارتها ودورها العالمي، لم يكن تفاعلها ودورها الحضاري السلمي التعاوني أقل من دورها العسكري والدبلوماسي تجاه الشعوب والنظم الأخرى، وكان هذا الدور طوعيًا انتشاريًا حضاريًّا عمرانيًّا، وليس قسريًا مفروضًا. بل لقد أخذت هذه الحضارة والخلافة الإسلامية، في رحلة صعودها، من "الغير" ما تم هضمه واستيعابه وإعادة إنتاجه بصبغته الحضارية الإسلامية. وحين بدأت الهجمة الأوروبية الحديثة على العالم العربي والإسلامي، أخذت هذه الدورة اتجاهًا عكسيًا، ونمطًا مختلفًا، وبطريقة قسرية وصلت إلى أقصى تجلياتها عبر القرنين الماضين؛ سعيًا من الوافد المستعمر والمحتل لتشويه أو استبدال الحضارة القائمة الضعيفة المنحدرة ماديًا، مقارنة بعناصر القوة المادية للحضارة الغربية الحديثة الصاعدة.
عبر القرنين التاسع عشر والعشرين قرني الاستعمار والتحرر، قرني إسقاط الخلافة وما بعدها، كانت منظومات الأفكار ومصادر المعرفة، وأعصاب الأسر والمجتمعات، في قلب المعارك السياسية والعسكرية وغير بعيدة عنها. لذا شهدت الساحات السياسية والثقافية تدافعًا بين الوافد والأصيل، بين القديم والحديث، بين التقليد والتجديد، بين الأصالة والمعاصرة، بين الإسلامية والتغريب أو العلمنة؛ وكان الموضوع هو: كيف نعيش؟ كيف نحكم؟ كيف نفكر؟ وتوافدت موجات من الأفكار الرأسمالية الغربية والاشتراكية والشيوعية من معقل الاستعمار، أو ما بعد رحيله عسكريًّا. كانت أوطاننا في حاجة لتغيير بالفعل، ولكن كيف؟ استبدال كامل لنموذجها الحضاري، أم إصلاح له، أم تجديد من ذات حضارية فاعلة واعية رشيدة؟
ومنذ صدمة الحملة الفرنسية، ثم الاحتلال الأوروبي، ثم مقاومة الاستعمار ورحيله، ثم القطبية الثنائية والحرب الباردة، توالت علينا المنظومات الوافدة التي وجدت من يتلقفها من مثقفي ونخب الأمة. ولكنه ظهرت أيضًا مقاومة فكرية حضارية: تقليدية لا تريد إلا الحفاظ على العقيدة، وتجديدية تبحث أيضًا عن تجديد نظم الحياة المختلفة، ولكن من مرجعية حضارية إسلامية. وبالطبع كان كل لكل مرحلة أجندة قضاياها ذات الأولوية.
وبالنظر إلى المرحلة المعاصرة من التحولات العالمية منذ 1991، نجد أنها أضحت حبلى بعملية نشر وتقنين وفرض منظومة من القيم الحداثية الغربية، والترويج لها؛ على رأسها: الديمقراطية وحقوق الإنسان (الأقليات، المرأة، الأطفال..) والدولة المدنية، ومحاربة الإرهاب والتطرف، الحريات الدينية، والحوار بين الأديان والثقافات...إلخ. وجميعها ذات أبعاد ثقافية حضارية؛ ومن ثم تختلف الرؤى عنها باختلاف المرجعيات: حضارية إسلامية، أو حضارية حديثة علمانية، وباختلاف الموضع من ميزان القوة العالمية. ومن ثم تعرضت هذه الرؤى والمفاهيم لعمليات تسييس. كما خضعت جميع هذه المفاهيم (أو القضايا) لعمليات تقنين في شكل نظم دولية orders أصدرتها الأمم المتحدة، وسعت -بجهود القوى الكبرى الغربية- لتقنينها في شكل سياسات، وفرض قبولها وتطبيقها عالميًا؛ باستخدام أدوات القوة الناعمة والصلدة على حد سواء. وكانت جميع هذه النظم العالمية والسياسات المنبثقة عنها ذات أبعاد تدخلية في المجتمعات والأوطان، على نحو أثار الجدال حولها بين القوى والحركات السياسية من مرجعيات علمانية وإسلامية. وفي قلب هذا الجدال، كانت تبرز قضية "الهوية" التي يتم توظيفها سياسيًا سواء من النظم الحاكمة أو القوى والحركات المجتمعية والسياسية، كل وفق رؤيته وأهدافه خلال عملية الصراعات والمنافسات الداخلية على السلطة. وهي العملية التي اصطبغت بدورها، بصبغة صراعية مردُّها الصعود البارز للحركات السياسية الإسلامية (المسماة بالإسلام السياسي) منذ ما قبل 1991، ثم خاصة منذ اندلاع الثورات العربية ابتداء منذ 2010 وما أعقبها من موجات الثورات المضادة والحروب الأهلية وحتى اندلاع طوفان الأقصى.
يمكن القول: إن خبرة الثلاثة عقود الماضية في الدول العربية ذات مردود سلبي بالنسبة للديمقراطية والمواطنة والحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية. ومن ثم بالطبع لها مردود سلبي بالنسبة لشرعية ومشروعية النظم القائمة، التي لم يعد لها مصدر حقيقي إلا "المساندة الخارجية" الغربية، المتشاركة بصفة خاصة مع "الدور الخليجي الجديد"، وفي إطار الزحف السرطاني للتطبيع الساخن مع الكيان الصهيوني. إن المؤشر الأكثر خطورة بالطبع عن هذا المردود السلبي إجمالًا، هو إجهاض الثورات العربية بثورات مضادة وحالات الحروب الأهلية الساخنة أو الباردة عبر كافة الدول العربية.
إن الخوض في تفاصيل "الخبرات" في النظم العربية غير ممكن بالطبع في هذا الموضع من الحديث، ولكن يكفي الرجوع إلى مؤشرات الوثائق والتقارير العالمية حول القضايا المعنية. ويمكن التوقف عند ملمحين بارزين عن هذه المرحلة المعاصرة من التحولات العالمية وتداعياتها الداخلية والخارجية على الفضاء الحضاري العربي الإسلامي، شعوبًا ونظمًا منذ 1991 (المفصل التاريخي بين القرنين الـعشرين والحادي والعشرين، والذي يعاد تشكيل النظام العالمي خلاله وفق قواعد جديدة):
الملمح الأول: هو الاستهداف الخارجي للشعوب، وليس مجرد النخب: دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا؛ من خلال آليات العولمة وأدواتها. فلم تعد الأسر والجماعات الوسيطة الداخلية مصدر القيم والتربية والدعوة والتعليم، بل تعرضت المفاهيم عن الثوابت لإعادة تشكيل، ولم تعد البوصلة واضحة في غياب رؤى وسياسات وطنية رشيدة ومتوازنة لا تجنح لصالح فئة دون أخرى من الشعوب، ولا تسقط المرجعية الحضارية لهذه الشعوب باسم التحديث. ومن هنا حلت قيم الاستهلاكية والنفعية والاستغلال والنفوذ والقوة والسلطة والفساد، محل قيم القصد والجماعية والتكافل والعدل والاحترام والإنسانية. ولم يعد للديمقراطية إلا الشكل والإجراءات دون ثقافة أو فلسفة الديمقراطية الرشيدة. كما حلت الشعبوية والتعبوية لمساندة أشخاص الحكام، محل التداول والتدافع الرشيد في السلطة. واهتزت أركان ما يسمى "الدول القومية" أمام زلازل تجدد الفئوية والطائفية القومية أو الدينية أو المذهبية. كل ذلك في إطار من التبعية المفرطة للخارج من حيث الحاجة للغذاء والدواء والسلاح والقروض والمعونات أو من حيث الحاجة للحماية من تهديدات إقليمية منافسة أو من حيث الحماية من غضب شعبي محتمل ضد الشرعيات الحاكمة الشكلية.
ولكن هل بلغ التدخل الخارجي العولمي الاستعماري الجديد (أيًّا كانت التسميات) هذه الدرجة من القوة والفاعلية والتأثير على الداخل؟ هل كل هذه المردودات السلبية نتاج تأثير "الخارجي" فقط؟
حقيقةً، إن للخارجيِّ قدرات وأهدافًا لإبقاء حالة الاستضعاف وعدم التمكين والتجزئة في هذه المنطقة برمتها وخاصة أركانها الرئيسية، إلا أن الخارجيَّ لم يتمكَّن من الداخل إلا لأن الداخل أفسح الطريق له بقوة. فلم يقاوم، ولم يصلح، ولم يجدد، بل قاوم بعضه التابع بعضه الآخر المقاوم المصلح المجدد.
الملمح الثاني: هو موضع "الإسلام والإسلامية" من الصراع –داخليًا وخارجيًا- على هذا القلب العربي للأمة وجواريها الحضاريين التركي والفارسي:
موجات التجديد أو ما يسمى "الصحوة" أو النهوض، موجات متعاقبة ومتنوعة على فضائنا الحضاري العربي الإسلامي: إما إحداثًا لتراكم في البناء الحضاري، إما استجابة لتحدٍّ أو تهديد من الداخل أو الخارج على حد سواء. ولقد ظلت المرجعية الإسلامية -حتى قبل ما يقرب من القرنين- هي المرجعية السائدة لهذا التجديد. ولم يكن الوافد قد ألقى بثقله بعدُ، كما حدث عبر القرنين الماضيين، حتى وصلت روافد أمتنا العربية وغير العربية إلى حالة تصارع بين مرجعيتين: الأصلية والوافدة. وتعددت الاستجابات أيضًا في مواجهة التهديدات الوافدة، حتى أضحت خطوط الثقافة والهوية، ونواتها الصلدة الإسلامية، آخر خطوط دفاعنا: الدفاع عن هذه النواة الصلدة أساسًا، وليس الدفاع فقط عن الأرض والثروة (التحرر والتنمية).
وفي هذا الإطار، أخذت الصحوة الإسلامية مرحلة اندفاع منذ اندلاع الثورة الإسلامية الإيرانية؛ وذلك بعد مرحلة الأفول في ظل الحرب الباردة، وفي ظل النظم العسكرية العلمانية التي تعاقبت على دولنا العربية والإسلامية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، والتي بقدر ما كانت تعلن حربها على الغرب الاستعماري وإسرائيل والرأسمالية، كانت أيضًا تعلن حربها على الحركات الإسلامية السياسية.
ومنذ 1991، وحين أضحى "العدو الأول للغرب"، وفق الاستراتيجية الأميركية العالمية، هو الإرهاب، ووفق الاطروحات الفكرية الاستعمارية عن صدام الحضارات، هو "الإسلام"! اصطبغت التداعيات العالمية على المنطقة بمقتضيات ما يسمى "الحرب العالمية على الإرهاب". وتعددت تجليات هذه الحرب من العدوان على العراق 1991 (خلال تحرير الكويت)، ثم غزو أفغانستان والعراق (2001-2003)، ثم الثورات المضادة على الثورات العربية، بعد أن شهدت تلك الأخيرة صعودًا إسلاميًا؛ سواء سياسيًا سلميًّا (مصر وتونس)، أو مسلحًا في ليبيا واليمن وسوريا، ناهيك بالطبع عن حركات القاعدة وداعش التي اختلطت أوراقها بهذه الحركات.
وفي حين ركز التحالف الدولي ضد الإرهاب بالتعاون مع نظم عربية على هذه الحركات، كان هناك إرهابٌ آخر يتطور ويتصاعد؛ وهو الإرهاب الصهيوني المسلح المباشر ضد لبنان، وضد غزة والضفة، ومنه الإرهاب الصهيوني الاستيطاني لتهويد الضفة والقدس، ناهيك عما ظلت تمثله إسرائيل من تهديدات لكل الفضاء الحضاري العربي وجواره الإيراني والتركي.
ولذا، ظل السؤال قائمًا: هل هذه الحروب ضد الإسلاميين المسلحين فقط، أم الإسلاميين السياسيين أيضًا الذين قلبوا لعبة الديموقراطية على العلمانيين والاستبداديين والتابعين؟ هل كلا الرافدين إرهابي؟ وضد من هم؟ وأي القوى السياسية غير الإسلامية ما زال يعارض استبداد النظم القائمة وفسادها، أو ما زال يقاوم التطبيع مع إسرائيل؟
لقد أضحى من الجلي أن المطلوب داخليًا وخارجيًا هو: "ديمقراطية بلا إسلاميين"، و"سلام مع إسرائيل بالشروط الإسرائيلية ودون مقاومة من أي نوع"، و"انخراط تام في المنظومة الأميركية الأمنية والاقتصادية" في مواجهة إيران، ودون تحالف أو تعاون مع الجوار التركي. كما أضحى جليًا أيضًا أن "الإسلام المقبول" هو ما يسمى "العلماني" منزوع الأسنان، بدون ثوابت، وبدون أي نوع من المقاومة: سلمية كانت أو مسلحة؛ العلماني المنخرط تمامًا، بل الموظف سياسيًا من الدول القائمة، وبدون أي أواصر أو روابط مع "الأمة"؛ والأخطر العلماني المتأسلم الذي يقدم مبررات عقدية، عن التطبيع الرسمي مع إسرائيل، أو يصمت عن التواطؤ معها ضد فلسطين.
المستوى الثاني: النظمي الدولي التدخلي إقليميًا وعالميًا:
انعكست دائمًا التوازنات العالمية، عبر التاريخ، على القلب العربي من الأمة. على سبيل المثال -وللتذكرة التاريخية- كان تحرك سليم الأول نحو الشام ومصر لضمهما نتاج رؤية استراتيجية قدرت حجم التهديد الأسباني البرتغالي (في المتوسط والملتف من البحار الجنوبية) من ناحية، وقدرت حجم التهديد الصفوي الذي بدأ في فارس فارضًا التشيع بالقوة، ومناوئا للعثمانيين بدفع ومساندة من الهابسبورج في أوروبا من ناحية أخرى.
ومثال آخر: جاء الاتفاق الودي الفرنسي–البريطاني 1904، في مواجهة التوسع الاستعماري الألماني المنافس، لكن أيضًا لحسم المقاصات الاستعمارية على حساب مصر وشمال أفريقيا والسودان.
ومثال ثالث: تحول مستقبل الشام وانتقاله بعد الحرب العالمية الأولى من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي والبريطاني، في ظل وعد بلفور، وتصفية الدولة العثمانية وإسقاط خلافتها بمساعدة ما سُميَ الثورة العربية الكبرى 1916 ضد العثمانيين، وبتحالف مع المستعمر الفرنسي والبريطاني.
وبالمثل، ومنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية واستقرار نظام القضية الثنائية والحرب الباردة وبداية وتطور حركات مقاومة الاستعمار الأوروبي وحركات الاستقلال، انقسمت الدول العربية في إطار ما سُمي الحرب الباردة العربية-العربية، ما بين معسكرين: غربي الهوى (محافظ تقليدي رجعي)، شرقي الهوى (تقدمي ثوري). وسرعان ما جرى إعادة تشكيل أنماط التحالفات في المنطقة -بعد هزيمة 1967 وبداية الانفراج بين القطبين- ما بين: محور اعتدال (خاصة بعد معاهدة كامب ديفيد 1977) ضم دولًا سبق ووصفت بالرجعية المحافظة، إلى جانب دول سبق ووصفت بالثورية التقدمية، وما بين محور مقاومة وطوق. فحين بدأ الانفراد الأميركي بإدارة الصراع العربي-الإسرائيلي، وتوجيهه نحو المسار السياسي السلمي، تموضعت نقاط المقاومة في بؤر محدودة افتقدت حليفها السابق؛ أي الاتحاد السوفيتي، ليبدأ -في سوريا ولبنان واليمن تدريجيًا- المحور الإيراني للمقاومة في ظل مراقبة وعداء أميركي وإسرائيلي، وفي ظل ابتعاد ومراقبة من الدول العربية المعتدلة! وخاصة الخليجية.
ومع اندلاع الثورات العربية والثورات المضادة، ظلت الساحة مفتوحة أمام الولايات المتحدة بدرجة أساسية. فرغم ما قيل عن بداية توجه اهتمامها نحو القوة الصينية الصاعدة في الشرق الأقصى على حساب الشرق الأوسط، إلا أن الدور الأميركي ظل هو السائد، مع امتناع روسي بصفة عامة، باستثناء الوجود البحري والجوي في سوريا لمساندة نظام بشار ضد ثورة الحركات الإسلامية المسلحة بدرجة أساسية. كذلك كان هناك إحجام صيني عن القيام بدور سياسي مباشر، مع الاكتفاء بالعلاقات الاقتصادية المتنامية مع الجميع. ومع طوفان الأقصى، ولمدة عامين اختبرت المنطقة من جديد كما سنرى أدوار القوى الكبرى الغربية والشرقية والتوازنات العالمية تجاهها.
المحور الرابع: طوفان الأقصى وتداعياته الدولية
إذا توقفنا عند حدث طوفان الأقصى وأثره الاستراتيجي على بنية النظام الدولي الراهن، وما تركه من تداعيات على المنطقة والعالم، كيف تنظرين إلى هذا الحدث؟ وما موقع "طوفان الأقصى" في دينامية التحولات الدولية؟ هل يمكن اعتباره حدثًا مفصليًا أم مجرد تفصيل في صراع أوسع؟
دومًا كانت الأحداث الكبار الجليلة في أمتنا، وعبر تاريخها وحتى الآن، تختبر حالة التوازنات العالمية بين القوى الدولية السائدة. وكان بعض هذه الأحداث مفصليًّا في تطور النظم الدولية: يدشن أو يعلن عن تحولات دولية قادمة، وتحولات في وضع الأمة ذاتها.
أذكر مثالين لذلك منذ 1991:
أولهما- عسكري؛ هو احتلال العراق للكويت 1989 وتكوين التحالف الدولي الذي أنهاه بعد قصف العراق 1990 ثم حصارها. وكانت الأشهر التي استغرقتها هذه الأحداث اختبارًا مهمًا لما بعد القطبية الثنائية، وتأثير الانفراد الأميركي العالمي، وحالة التحالف الغربي، ناهيك بالطبع عن حالة النظام الإقليمي العربي؛ وفي قلبه الصراع العربي-الإسرائيلي.
المثال الثاني: الموجة الثانية من معاهدات السلام الثنائية مع إسرائيل، عقب مؤتمر مدريد 1991؛ سواء مع الأردن أو منظمة التحرير الفلسطينية. فقد كانت علامة على بداية طريق الانحدار نحو "الحل السلمي مع إسرائيل"، بل وتجريم المقاومة المسلحة؛ ومن ثم التصاعد التدريجي لعملية تصفية القضية الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية على الضفة وغزة وعلى دول جوار فلسطين: لبنان وسوريا، وفي ظل استمرار الاستيطان والتهويد من ناحية، وتدعيم القدرات العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية بتعاون مع شركائها من النظم العربية، وخاصة منذ "الاتفاقات الإبراهيمية منذ 2020" من ناحية أخرى.
وكان لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر، تداعياته الفلسطينية والعربية والإقليمية والعالمية؛ ومن قبل كان وقوعه في حد ذاته تجسيدًا لرؤية استراتيجية أدركت حقيقة ما آل إليه وضع القضية في سياقها الإقليمي والعالمي السائد.
فعلى الصعيد الأول، وعبر ثلاثة عقود منذ تخلي منظمة التحرير رسميًا عن الكفاح المسلح وتوقيع اتفاق غزة-أريحا أولًا، بدأ مسلسل "أوهام تسوية عادلة شاملة وتكوين دولة فلسطينية".
والتفاصيل الكبرى والصغرى، على حد سواء طوال ثلاثة عقود، كانت تبين بالتدريج حالة المراوغة الإسرائيلية؛ لكسب الوقت، وفرض أمر واقع جديد. وما كان من النظم العربية -فرديًا أو جماعيًا- إلا مجرد الاعتراض القولي على السياسات الإسرائيلية وأدواتها، لكن دون أية مبادرة أو ضغط فعلي لوقف مسار هذه التصفية.
وبعد أن كانت الثورات العربية منذ 2010 أملًا يداعب العقول والقلوب؛ أن يكون نجاحها بداية تغيير جذري نحو مساندة القضية الفلسطينية، فإذا بريح الثورات المضادة يؤيد هذا الأمل، بل يلقي بالنظم والمجتمعات العربية في حالة من الاستضعاف وحالة من الصمت عن تصعيد العدوان الإسرائيلي عبر العقد الماضي. لقد كان السياق الإقليمي في مجمله معاديًا للثورات. وحتى إيران التي تدعم مقاومة حزب الله، شاركت في إجهاض الثورة السورية وتقييدها لأسباب عدة (أهمها بالطبع الخلاف المذهبي الطائفي).
كانت الإدارة الأولى لترامب، والاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل 2019، وتوقيع اتفاقات إبراهام بين إسرائيل والإمارات والبحرين، والتفاوض مع السعودية بهذا الشأن، جرس إنذار عالي الصوت، لكن لم يُستمع له ولم يستعد لعواقبه إلا المقاومون في غزة المحاصرة منذ 2007، والتي تعرضت لحلقات عدوان 2008، 2012، 2014، 2021 من إسرائيل. وكانت قوى العالم الكبرى: روسيا والصين وأروبا، غير معنية بما يجري لانشغالها بأمور أكثر حيوية وأولوية بالنسبة لها في ذك الوقت (كما سبق التوضيح).
لكن -وعلى صعيد آخر- كان انفجار طوفان الأقصى واستمرار صمود غزة مقاومة وحاضنة طوال 23 شهرًا حتى الآن، ذا تداعيات عالمية مهمة، كشفت عن -واختبرت- حقيقة كثير من الأبعاد القائمة للنظام العالمي والإقليمي المعاصر، كما دشنت من ناحية أخرى قواعد وأسس تحولات مهمة فيه مازالت تكتمل صورها:
أكد طوفان الأقصى عند اندلاعه أن المقاومة الفلسطينية مستمرة وخاصة المسلحة، وأن عملية تحرير فلسطين عملية فلسطينية بالأساس، وإن تطلبت سياقًا عربيًا وإسلاميًا مجاهدًا مناصرًا. كما أعلن طوفان الأقصى انتهاء الاعتماد على مسار المفاوضات سعيًا لتسوية سلمية؛ وهو المسار الذي ما زالت تتمسك به "السلطة الفلسطينية" في رام الله، رغم كل ما تبدى من سوءات وعثرات هذا المسار، واستحالة أن يقود إلى حل الدولة الفلسطينية؛ حيث إن الاستيطان والتهويد نالا من قواعد "الدولة المرتقبة" في الضفة، كما نال الحصار والعدوان على غزة مما بقي من هذه القواعد في غزة.
تأكد الانحياز الإعلامي الغربي، في الأشهر الأولى للطوفان والعدوان، للسرديات الإسرائيلية عن "الإرهاب والإبادة الفلسطينية لمستوطنات الغلاف"؛ وهي السرديات التي تبنتها القيادات الأميركية والأوروبية؛ مؤكدة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. بذا، تأكد دخول التحالف الغربي في نقلة نوعية من المساندة لإسرائيل، توالت تجليات هذه النقلة عبر عامي العدوان والصمود، حتى تأكد أن ما يجري إن هو إلا حلقة من حلقات "حرب حضارية شاملة" يشنها الغرب على الأمة منذ قرون، ودخلت منذ 1991 (كما شرحنا) مفصلًا تاريخًا مهمًا تعاقبت حلقاته من عقد لآخر [(1991-2001)، (2001-2011)، (2011-2023)] من العقود الثلاثة الأخيرة. ثم أكدت وحشية العدوان الإسرائيلي وتحوله إلى عملية إبادة جماعية منظمة، تسكت قوى الغرب الرسمية عنها، بل وتمدها بكل المطلوب من أسلحة ومساعدات اقتصادية ومساندة دبلوماسية. أكد كل هذا مصداقية وجود هذه الحرب الحضارية، والتي كانت دائمًا إسرائيل رأس حربتها الموجهة إلى قلب الأمة الإسلامية العربية في فلسطين، كما كانت الحروب الصليبية منذ أربعة قرون رأس حربة أخرى. ومن ثم لا يمكن الآن أن نظل نتساءل: هل الغرب يقود حربًا ضد الإسلام أم من أجل مصالح استعمارية إمبريالية سياسية واقتصادية؟ فلقد أسقط العامان الماضيان منذ طوفان الأقصى مصداقية أو صلاحية هذا السؤال، ولم يعد من الممكن الفصل بين السياسي العسكري، وبين الديني الثقافي الحضاري، في خطاب أو سياسات أو أدوات إسرائيل وشركائها الغربيين. فهم لا يقدرون الآن على خطاب دبلوماسي لزج يخفي النوايا، لقد أفصحوا -كما لم يفصحوا من قبل- عن صهيونيتهم (بايدن، بلينكن، ترامب،..)، وعن كونهم يقودون حربًا صليبية (وزير الدفاع الأميركي الحالي)، وأنهم لا بد أن يقضوا على إرهاب حماس الإسلامية، وكل قوى إسلامية تهدد إسرائيل وأمن الغرب.
أن التطورات في غزة وحولها، من أعمال العدوان وأعمال المقاومة وكذلك من محاولات وقف النار والتوصل إلى هدنة، ومن مفاوضات من أجل إنهاء الحرب وتحديد شكل ما بعد الحرب ...إلخ، جميعها دفعت بي، وطوال عامين، إلى مجموعة من التساؤلات ومجموعة من الخلاصات والاستنتاجات حول حقيقة وضع هذه الحرب في المنطقة وخاصة بالنظر لكل ما نعرفه عن نظريات الحرب والتفاوض والدبلوماسية والردع والتحالفات... وكل ما نعرفه وعرفناه عن أنماط المقاومة الفلسطينية وعن العدو الصهيوني:
فمن ناحية: بعد بداية العدوان الإسرائيلي 24/10/2023 سألت: هل ستصمد المقاومة؟ وبعد عدة أشهر من استمرار العدوان وتطوره تساءلت: كيف تصمد المقاومة؟ وكيف تقاوم الحاضنة الشعبية معها؟ ومع أول هدنة تساءلت: هل إسرائيل توقف النار من أجل تبادل الأسرى فقط وهل تقود الحرب من أجل الأسرى فعلًا؟ ومع عدم تجديد أول هدنة واستمرار العدوان وتصاعد وحشيته، ومع تعثر أي تفاوض بسبب المناورات والمراوغات الإسرائيلية تساءلت: هل ستستطيع المقاومة الصمود أمام الضغوط عليها بورقة أهل غزة حتى تستسلم أو تتنازل في شروط التفاوض لوقف الحرب؟
وتأكدتُ منذ عام أن إسرائيل تريد الاستمرار في الحرب كغاية في حد ذاتها؛ لأنها تتبنى استراتيجية واضحة في مسار الحرب والتدمير (من قطاع إلى آخر والعودة مرة أخرى)، وفي مسار الضغط للإخلاء من الشمال نحو الوسط ثم نحو الجنوب. كما تأكدت أن إسرائيل ليس بمقدورها دفع أهل غزة إلى الهجرة طوعًا أو قسرًا (رغم القتل والجوع...)، كما تأكدتُ أنه ليس بمقدورها أن تقضي على حماس أو تجبرها على الاستسلام وقبول نزع سلاح غزة.
ومن ثم تأكد لي تهاوي نظريات تفوق الأسلحة في إحداث النصر، بل وأيقنت أن غزة تعيد صياغة مفاهيم النصر والهزيمة: من المنتصر: الأقوى عتادًا وحلفاءً، أم الصامد على أرضه يقاوم بما توفر له ولا يستسلم؟ وبذا تكون مقاومة غزة المسلحة قد دفعت لإعادة النظر في المقولات عن الردع وعن عناصر القوة، وليس عن فنون إدارة الحروب وإدارة الصمود فقط. فبقدر ما يعكس صمود المقاومة تخطيطًا واستعدادًا استراتيجيًا عسكريًا جديدًا على هذا النمط من الحروب، بقدر ما يبين أن عناصر القوة ليست مادية فقط، بل قد تفوقها أحيانًا في الأهمية عناصر القوة المعنوية (الإيمانية) التي تدفع إلى الصبر والشجاعة والإقدام على الاستشهاد والإيمان بالحق ونصر الله للمجاهدين ضد أعداء الله ومحتلي الوطن. إنه صراع حضاري بامتياز يضم في طياته صراعًا عقيديًا وصراعًا على الوجود أرضًا وشعبًا، وصراعًا ضد استعمار استيطاني عنصري.
ومن ناحية أخرى، انكشفت طبائع هذا الاحتلال الاستيطاني العنصري؛ فهو ليس صهيونيًا علمانيًا، ولكنه صهيوني يهودي، حاول أن يتجمل أمام العالم الغربي العلماني بسرديات علمانية (حق الوطن)، وأخرى ثقافية (العداء للسامية)، إلا أنه كشف بالتدريج علنًا، ما كان ليس خافيًا عن المتخصصين؛ كشف عن قواعده التلمودية اليهودية المتطرفة. فلقد استمر وتنامى صعود اليمين الإسرائيلي عبر ربع القرن الماضي، مدعومًا في ذلك بصعود اليمين في أوروبا والولايات المتحدة، حتى تجلى بوضوح سافر غير مسبوق خلال العامين الماضيين منذ بداية العدوان على غزة، وعبر تصاعد خطته في الإبادة الجماعية المنظمة، وانكشاف كيف أنها الهدف من استمرار الحرب؛ ومن ثم سقوط ذريعة أو هدف تحرير الأسرى والقضاء على حماس. إنها "الحرب من أجل الحرب"، "من أجل الإبادة"، "من أجل محو فكرة الدولتين"، "من أجل توسيع إسرائيل وصولًا إلى إسرائيل الكبرى".
إنها حلقة أخرى من حلقات مسلسل المشروع الصهيوني الذي بدأ منذ 1897 في سويسرا، ثم قفز إلى وعد بلفور 1917، وإلى الهجرة اليهودية والتمكين لليهود ماليًا وعسكريًا في ظل الانتداب البريطاني، وأخيرًا إلى إعلان دولة إسرائيل. كل ذلك في ظل سياقات دولية وإقليمية كانت صديقة وداعمة: ابتداء من الضعف العثماني وسقوط الدولة العثمانية وخلافتها، إلى استعمار أوطان العرب والأمة، فقيود الاستعمار الجديد من الداخل والخارج، فالتدخلات الاستعمارية الجديدة المباشرة عسكريًا وثقافيًا.. وجميعها كانت مناخًا لنمو واستعجال الورم السرطاني الصهيوني من عقد لآخر.
ومن ناحية ثالثة: تأكد أن الاستضعاف والخذلان العربي الرسمي ليس من طبائع الأمور المفروضة قسرًا، لكنه يبدو أقرب إلى التواطؤ والخيانة؛ لأن عدم التحرك في مواجهة وحشية العدوان وتوسعه، رغم حيازة أدوات قوة يمكن استخدامها، لا يعني مناورة أو تهيؤًا، ولكن يعني صمتًا وقبولًا لجزء مما يجري على الأقل؛ وهو "تصفية حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة إجمالًا، وكل من يرفع شعارها أيًا كانت مرجعيته". فلقد سقطت مبررات أو ذرائع الحفاظ على الأمن القومي أو الوطني من مخاطر الحرب، أو الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة من مخاطر توسيع نطاق الحرب الإقليمية. فجميعها لم تأبه بها إسرائيل؛ وهي تجتاح لبنان وسوريا، وتضرب اليمن، وتهدد مصر، وتتدخل في السودان وليبيا. ويعلن نتيناهو وسموترشن وبن غفير علنًا وبقوة عن خرائط ومسار "إسرائيل الكبرى".
إن وأد روح المقاومة الحضارية، وخاصة المسلحة في الشعوب العربية أضحى هدفًا مشتركًا تجمع عليه القوى الغربية وإسرائيل وقوى التطبيع العربي مع الصهيونية. ومن هنا تأتي استماتهم على ضرب وتصفية نموذج المقاومة الغزي الذي انتفض له أحرار العالم. وفي المقابل، ما زالت النظم العربية، والنظام الجماعي العربي المتهاوي، يتمسك بسردية السلام والتسوية من أجل دولة فلسطينية، رغم أن كل الشواهد -عبر عامين- قد أكدت أنها أضحت أوهامًا لا قواعد لها في الواقع.
إجمالًا: إن تداعيات الطوفان والصمود والعدوان والإبادة على الفضاء الحضاري الفلسطيني العربي، متعددة الدلالات: حرب حضارية، سقوط النظام العربي، إسرائيل تريد الهيمنة وإعادة التشكيل الفضاء العربي الحضاري وليس فقط النظام الدولي الإقليمي العربي... ولكن تظل مقاومة وصمود غزة ومقاومة شعوبنا ومجتمعاتنا تعوق هذا السيناريو.
كيف ساهم طوفان الأقصى في إعادة ترتيب أوراق الجوارين الحضاريين التركي والفارسي تجاه القضية الفلسطينية؟ وما تأثير ذلك على مستقبل الصراع مع الكيان الصهيوني؟
لقد تجلت أشكال ومصادر المساندة الإيرانية لمحور المقاومة في المنطقة وعلى رأسها غزة.. وبعد أن فتح حزب الله الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية نصرةً وإسنادًا لغزة، تلاه الحوثيون في اليمن، كما ألقت إيران بثقلها -ولأول مرة وعلى نحو مباشر- في مواجهتين عسكريتين مباشرتين مع إسرائيل؛ أولاهما محددة، والأخرى أكثر اتساعًا.
وبذا، تغيرت طبيعة التوازنات الإقليمية مع هذا التدخل الإيراني المباشر ضد إسرائيل، ومع استمرار استعداء إسرائيل لدول المنطقة على إيران؛ باعتبارها العدو الرئيس لهم والمهدد لأمنهم. لكن ظل لإيران حسابات تحكم طبيعة ودرجة تدخلها؛ سواء إلى جانب حزب الله أو حماس أو الحوثين؛ وذلك في نفس الوقت الذي استمر فيه الضغط الإسرائيلي الأميركي على كل من حزب الله وحماس لنزع سلاحهما ووقف أو تصفية المقاومة ضد إسرائيل. وبذا، بقدر ما قيد الدور الإيراني خلال حرب 12 يوم (يونيو 2025) من مقولة انفراد إسرائيل بالهيمنة الإقليمية على المنطقة بقدر ما تزايدت التكهنات عن توقيت ومآل الجولة التالية من المواجهة الإيرانية العسكرية في المنطقة، وما إذا كانت ستتراجع فرص اندلاعها أمام محاولات أوروبا إعادتها إلى المسار التفاوضي.
بعبارة أخرى، وبالرغم من الضربة التي واجهها النفوذ الإيراني في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتزايد الاعتداءات العسكرية على سوريا، وعلى الحوثيين، فإن الورقة الإيرانية أضحت حاضرة بطريقة أكبر في مسار تشكيل التوازنات الإقليمية الشرق أوسطية.
وفي المقابل، كان للدور التركي مدخل وتأثير مغاير في مواجهة إسرائيل؛ ففي ظل العلاقات الدبلوماسية القديمة مع إسرائيل، وفي إطار العلاقات الاقتصادية والعسكرية المفتوحة والمتنوعة معها، وانفتاح الدور التركي -بقيادة حزب العدالة والتنمية- على محوري المعارضة السياسية الإسلامية، والمقاومة الفلسطينية المسلحة في المنطقة من ناحية أخرى، بدا أن الخطاب السياسي القوي لرئاسة تركيا ضد العدوان الإسرائيلي هو السلاح الأساسي لقيادة تركيا في مواجهة إسرائيل، ولم تستخدم -مثلها مثل الدول العربية- أوراق الضغط الاقتصادية التي في يدها ضد إسرائيل إلا مؤخرًا في أغسطس 2025.
إلا أن المواجهة الإسرائيلية-التركية الحادة والمباشرة اندلعت على الساحة السورية، بعد الدور التركي في إسقاط نظام بشار الأسد، من خلال مساندة فصائل المقاومة المسلحة السورية؛ وهو الأمر الذي مثل متغيرًا آخر للتأثير في تشكيل التوازنات الإقليمية في مواجهة إسرائيل.
ظلت ساحة القضية الفلسطينية، في جولتها الراهنة لا تحوز أولوية المبادرة من الجانبين الروسي والصيني، تاركيْنِ إياها لانفراد السلاح الأميركي والأوروبي والإسرائيلي بإبادة أهل غزة. ورغم أن "العربدة الأميركية" في المنطقة قد وصلت إلى ما لم تصل إليه من قبل في الشراكة المعلنة الظاهرة مع إسرائيل، إلا أن روسيا لم تتحرك ولم تؤخذ في حسبان التوازنات في المنطقة، كما كان يحدث إبان وجود الاتحاد السوفيتي، بل وحتى ما قبل عقدين. فإن أوكرانيا كانت أكثر أهمية لروسيا، وخرجت روسيا من سوريا بعد سقوط الأسد دون مقاومة ولو دبلوماسية؛ حيث ركزت على الساحة الأوكرانية لحسمها لصالحها، والمناورة بها في مواجهة تحالف الأطلنطي الذي ظهر الخلاف على صعيده بين الركن الأوروبي والركن الأميركي حول السبيل الأمثل لحل قضية أوكرانيا.
وفي المقابل كان هذان الركنان على قلب رجل واحد تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة. فلقد ظلت أوروبا تمارس نفس نمط دورها المعاصر؛ وهو دور الطرف الثالث خلال الثنائية القطبية حفاظًا على دور استعماري قديم ولى زمانه، أو بالتنسيق في ظل الانفراد الأميركي لتوزيع الأدوار بين ركني التحالف الغربي. وظل الدور الأوروبي، طيلة العقود الثلاثة الماضية، قائمًا على ما يسمى مساندة وتشجيع محور الاعتدال ليصبح أكثر مرونة وأكثر استعدادًا لقبول مزيد من التنازلات في مواجهة المناورات الإسرائيلية للتنصل من التزامات معاهدات السلام. ولكن مع طوفان الأقصى انكشف الوجه الحقيقي للقوى الأوروبية الكبرى في مواجهة الطوفان وتناغمت أدوارها مع الدور الأميركي من حيث الخطاب السياسي والمساندة العسكرية لإسرائيل.
إلا أنه مع امتداد الحرب للعام الثاني وتزايد ضغوط الرأي العام الأوروبي ضد سياسية الإبادة المنظمة والممنهجة الإسرائيلية بدأت تظهر بوادر تغير في سياسات بعض الدول الأوروبية، وخاصة على صعيد حظر بعض أنواع الأسلحة المصدرة لإسرائيل أو إعلان الاستعداد للاعتراف بدولة فلسطين.
وفي حين لم تكن حالة التوازنات الإقليمية العربية أو الشرق أوسطية أو العالمية قادرة على كبح جماح العدوان الإسرائيلي من أجل إبادة أهل غزة وتهجيرهم قسرًا هم وأهل الضفة من ناحية، أو من حيث توسيع نطاق الحرب إقليميًا على سوريا ولبنان واليمن من الناحية الأخرى، فإن التغيير الملموس ظهر على صعيد الرأي العام العربي الحر، والعالمي الإنساني، الذي انتفض ضد العدوان على غزة؛ وهو الذي صك وروج عنوان "الإبادة الجماعية".
إن رسم خريطة تجليات هذا الرأي العام العالمي الغربي أساسًا يقدم صورة مبهرة عن حجم ونوعية هذه التجليات من ناحية، واستمراريتها وصمودها أمام "العنف الرسمي" ضدها؛ لمنعها أو تقييدها من ناحية أخرى. وتمتد هذه الخريطة إلى فئات ومجالات متنوعة فنية وإعلامية ورياضية وحزبية وبرلمانية ومدنية وحقوقية وأكاديمية. وتكشف استطلاعات الرأي العام المنضبطة كيف أن الصورة الإسرائيلية السابقة لدى هذه القطاعات قد تشوهت وتراجع قبولها أو تأييدها، وتظل الحملات الصهيونية المضادة بدورها ساعية لاستعادة ركائزها التي اهتزت في مجتمعات عربية حرة؛ مستخدمة في ذلك أحدث السبل والوسائل التكنولوجية، تساندها -في ذلك- مؤسسات عالمية في هذا المجال مثل: جوجل ومايكروسوفت.
بعبارة أخرى: إذا كانت مجازر غزة قد تم نقلها حية عبر أرجاء العالم في توقيتها، فلقد ولدت ردود فعل متنوعة للتأثير على الرأي العام العالمي: تأييدًا وتبريرًا، أو نقضًا ومعارضة؛ وهو الوضع الذي أبرز قضية عالمية شديدة الأهمية تمثل مرتكزًا أساسيًا من مرتكزات التحولات العالمية الراهنة؛ ألا وهي: قضية إعادة بناء وإعادة تشكيل الوعي الجماعي، والذاكرة التاريخية للمجتمعات المعاصرة؛ سواء المجتمعات الإسلامية المناهضة للصهيونية والتبعية، أو المجتمعات الغربية المناهضة للصهيونية أيضًا وللرأسمالية المتوحشة والمؤيدة للتضامن الإنساني.
وإذا كانت المظاهرات الشعبية العارمة في العواصم الأوروبية والمدن الكبرى الأميركية قد أبرزت فجوة بين النخب الرسمية الحاكمية من أعلى وبين القواعد الشعبية، والتي ما زالت قادرة على التعبير بحرية عن جانب من مواقفها، فإن غياب هذه المظاهرات عن معظم العواصم العربية، وبطريقة مستمرة ومتصاعدة، ليس إلا تعبيرًا عن مدى القيود التي منعت بها النظم تنظيم هذه المظاهرات من ناحية، وتعبيرا -من ناحية أخرى- عن أن الصمت العربي لم يكن رسميًا فقط، ولكنه شعبي أيضًا، وإن اختلفت الأسباب.
وفي مواجهة هذه الازدواجية بين الرسمي والشعبي -ولو مختلف التنوع- على صعيد المجتمعات الغربية والعربية على حد سواء، يبرز التساؤلان التاليان: ما هو قدر تأثير هذا الرأي العام الغربي على سياسات حكوماته الراهنة؟ هل يحدث تغير نوعي في الركائز المجتمعية الغربية للصهيونية العالمية؟ وعلى العكس يأتي السؤال الثاني: إلى متى ستظل المجتمعات العربية صامتة على التواطؤ والخذلان الرسمي لغزة؟
خلاصة القول: إن الخصائص الكبرى لتحولات النظام العالمي المعاصر من ناحية انعكاساتها على منطقتنا العربية، نظمًا وفضاءً حضاريًا من ناحية أخرى، تجسدت تأثيراتها على مشهد طوفان الأقصى عبر عامين، كما كشفت بجلاء عن حقيقة المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني الإحلالي وعن مدى أحكام الشراكة بينه وبين القوى الكبرى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. فإذا كانت أوروبا قد تخلصت من "المشكلة اليهودية على أرضها" بتصديرها إلى القلب العربي الإسلامي في فلسطين منذ ما يزيد على القرن، ورعت -عبر مراحل متتالية- ميلاد وتنفيذ المشروع الصهيوني، فإن الولايات المتحدة قد وفرت -من خلال "الصهيونية المسيحية البروتستانية- رداء عقيديًّا يفسر بوضوح الآن حقيقة هذه الشراكة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة.
وبقدر ما جسد "طوفان الأقصى" نموذج المقاومة الفلسطينية وصمودها، بقدر ما كشف سياقه الإقليمي العربي والإسلامي مدى ما وصلت إليه هذه النظم من استباحة غير مسبوقة من العدوان السافر المتكرر على الجوار العربي والتركي والفارسي لفلسطين؛ ومن هنا أهمية الانتباه إلى ما يدور في النظام العالمي وسياقاتنا الإقليمية لنفهم مآل مستقبلنا ومستقبل الكيان الصهيوني؛ وحتى نتدبر في سبل المقاومة لتغيير الاختلال في هذا النظام، بعد أن تأكد زيف ما رفعه من قيم الشرعية الدولية والديمقراطية وحقوق الإنسان فيما سمي 1991 "النظام الدولي الجديد".