رياض المسيبلي[1]
لا أحسب أن الدراسات الدينية تحتمل مؤلِّف رولان بارت الميت؛ فجثة تلك النظرية لا يمكن تطبيقها عند الكتابة-خاصة- عن علماء الدين. فحقيقة أن "الحضارة الإسلامية" ملتصقة بهذه الصفة "إسلامية" توحي أن تلك الحضارة تطورت ونمت حول الإسلام بأبعد من امتداداته الدينية؛ حيث امتزجت حضارات متعددة في حضارة واحدة. لقد كان لوحدة هذه الحضارة الإسلامية أمر واحد ساهم في تماسكها: صفتها "الإسلامية" تلك اللاصقة بها. وهكذا حملت كل حضارة اعتنقت الإسلام أمتعتها معها، وكذلك أثقالها، إلى الدين الجديد. غير أن كون البيئة العربية كانت حاضنة الإسلام الأولى أعطاها، نوعًا ما، اليد العليا أمام الحضارات/الثقافات الأخرى التي شكلت الحضارة الإسلامية. فهل كانت بعض العقائد التي تشكلت في بداية الإسلام ضربًا من التنافس الثقافي اتخذ له وجودًا دينيًّا؟ سؤال لا ينفك عن التدخل الثقافي والحضاري في تركيبة الحضارة الإسلامية.
لم يعدّ السلف في الصدر الأول الإسلامَ متاعًا يحملونه متى وأين ما أرادوا، ويطرحونه متى ما حلا لهم طرحه جانبًا. لم يكن لديهم طقس زماني ولا مكاني؛ ومن هذا الباب ينبغي فهم الأسئلة السياسية في صدر الإسلام. هكذا انبعثت أسئلة السياسة والحكم عقيب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرنا التاريخ أن السؤال حينها كان عن "من يحكم" وليس عن "كيف يحكم المسلمون". قضي الأمر في الفكر السني عند اختيار أبي بكر أول خليفة. بيد أن الشيعة، بعد استقرار الفوارق والفرق، أصبح لديهم خليفتهم ولكن بدون "خلافة". ولأن كثيرًا من الأفهام التي استقرت لدى الفريقين أتت بعد وقوع الحدث، فقد صنع ذلك أشد العقائد الطائفية تعقيدًا لدراستها.
بدأت الرحلة السياسية السنّية من بدء عصر الخلافة الراشدة، وانتهت إلى أنظمة الملك والتوريث. ولم يكن اختلاف السلالات التي حكمت طوال التاريخ الإسلامي اختلافًا في نظم الحكم، ولكن إتيانًا بـ"آل" غير الـ"آل" الذين تسوّدوا لزمن طال أو قصر. مع ذلك، فقد نظر أهل السنّة إلى مؤسسة الخلافة مركز وحدتهم أمام ضربات وانقسامات الفرق المتناحرة والمعارضة. وبالرغم أن المدرسة السنّية لم تنظر إلى أي أمر أو أحد، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، نموذجًا "يجب" الأخذ به، غير أن أنظمة الحكم التي توالت شكّلت النموذج السياسي السنّي. وإذا أخذنا بالاعتبار مركزية الخلافة في الهوية السنّية، فلربما فسر ذلك ما يبدو وكأنه اتجاه تبريري في الفكر السياسي السنّي. فقد اعتبر جِب، على سبيل المثال، كتاب الإمام الماوردي الأحكام السلطانية وثيقة دفاع عن الوضع زمن الماوردي، "أو توجيه في التفسير، أوحت به وشكلته ظروف المؤلف"[2]. ولعل نص روزنتال الآتي يلخص تصور السنة وغير السنة للفكر السياسي السنّي على حد سواء: "توخت أطروحة الماوردي إيجاد الأسس التنظيرية لتحديد مجالات السلطة بين الخليفة، المسؤول عن الشؤون الدينية، وبين الأمير، المتحكم الفعلي في الإدارة المدنية على أساس من الاتفاق التفاوضي"[3]. وقد كان روزنتال مدركًا طبيعة السلطة في الإسلام عندما شرح أسباب حاجة أمثال البويهيين إلى إظهار الولاء للخليفة لإضفاء الشرعية على سلطتهم[4].
طوّر الشيعة، على الجانب الآخر، نظريتهم السياسية؛ حيث كان النص من الله والرسول هو الذي يعيّن الإمام[5] وليس أمام الناس سوى القبول والتسليم. وفي عصر الماوردي كانت نظرية الإمامة الشيعية قد استقرت تمامًا، وذهب الإمام الثاني عشر في أغوار "الغيبة الكبرى". وبالرغم من أن الإمامة عند الشيعة تبدو أكثر قدسية من مقابلها السنّي، غير أن الشيعة يؤمنون بأن ضرورة الإمامة معلومة بالعقل وليس بالشرع[6]. إن شرح النظرية السياسية لدى السنّة والشيعة خارج هدف هذه الورقة، ولكن كان من المهم الإشارة -برزمة أسئلة-إلى الفوارق الرئيسة في النظرية السياسية لدى الفريقين؛ لفهم واقع الفكر السياسي الإسلامي في عصر الإمام الماوردي. وفيما يتعلق بالفكر السياسي لدى الشيعة، ثمة أسئلة تستحق الوقوف عندها:
ما مدى انفصال أو اتصال النظرة السياسية الشيعية بالواقع إذا كان تطورها "تجريديًّا" بدون أي تطبيق فعلي لها؟
هل كانت الغيبة الكبرى دلالة على يأس شديد من أن "الإمامة" لم تقم لها قائمة بعد هذا النضال الدموي الطويل الأمد على الجانب الشيعي؟[7] أم كانت دلالة على القبول الصامت بالخلافة، بينما يتم إبقاء العقيدة حية لمصلحة أولئك المسيطرين على الطائفة؟
هذه أسئلة لا ننوي الإجابة عنها هنا، ولكن رب سؤال خير من أجوبة اليقين البارد. وإنما طرحتها هنا حتى يمكن لنا السير مع الماوردي بآفاق مفتوحة على كل الاحتمالات في تفسير موقفه السياسي أو محاولة فهمه، بعيدًا عن توتّر بعض الدراسات المعاصرة، ومستحضرين ثقل التجربة السنّية في الحكم مقابل الفرق الأخرى.
اتسم عصر الماوردي بالاضطراب والقلاقل السياسية وكذلك الصراعات الطائفية[8]. كانت بغداد في قبضة البويهيين، وأصبح الخليفة العباسي تحت سيطرتهم الكاملة؛ فليس له من الأمر إلا ما أذن له البويهيون، وغدا منصب الخلافة في أوهى حالاته؛ بحيث كان على الخليفة أن يذهب خارج بغداد احتجاجًا منه لكي يتم له ما يريد[9]. أما الصراعات المذهبية فلم تعد حينها بين الخصمين التقليديَين: السنة والشيعة، بل اتسعت داخل الطائفة نفسها، كالصراع بين الأشاعرة والحنابلة[10].
وفي عصر مضطرب كذاك العصر، كان الإسهام السياسي للماوردي أمرًا لا بد منه. كان على هذا الفقيه الماهر المحيط بالمشهد السياسي في عصره أن يأخذ بالاعتبار الطبيعة الهشة للخلافة الإسلامية. إنها عملية تشييد نظرية سياسية منظمة من حطام الواقع. وكان أمام الماوردي إرث ثلاثمائة عام من آراء الفقهاء المتفرقة قبله، وتاريخ الخلافة بوجهها العملي، ليستخرج ما أودعه في كتابه الأحكام السلطانية. ولم يكن ذاك الإرث والتاريخ العقبة الوحيدة أمام الرجل؛ بل كانت طبيعة عصره تحديًا آخر أمامه. فالخليفة العباسي أصبح مجرد واجهة يرفعها البويهيون لشرعنة سيطرتهم على مؤسسة الخلافة. وفوق ذلك، كان الماوردي واعيًا بالعقيدة التي يحملها هؤلاء والمتناقضة تمامًا مع وجه الخلافة السنّي، أو عقيدة الغالبية المسلمة حينها. كانت حقبة تجاوز أثناءها الجدل الطائفي جدران المساجد والمدارس إلى معارك جماهيرية ذات عواقب وخيمة.
إذن، ربما كان واضحًا أن الماوردي هدف إلى الحد من سيطرة البويهيين على الخلافة، كما يشير حنّا ميخائيل[11]. فهل كان هذا الفقيه سجين الخيال عمّا ينبغي أن تكون عليه الخلافة؟ تجدر الإشارة إلى أن الفقيه المسلم، بشكل عام، يتعامل مع قضايا عملية بشكل يومي؛ لذلك فلا مكان للخيال هنا، خاصة إذا كان الأمر متعلقًا بمفهوم إسلامي خطير كالإمامة. وقد رفض هاملتون جب فكرة أن الماوردي كان يضفي المثالية على واقع مزرٍ[12]. فالماوردي لم يشهد انحدار الخلافة السنية فحسب، بل رأى صعود خصمها العقائدي، الشيعة، وسيطرته عليها. لم يكن من اليسير في زمن ومكان تعلو فيه المعارك الطائفية أن يقبل فقيه سني بمثل هذه الحقيقة المرة[13].
يستطيع قارئ الماوردي لمس آثار جدل المدارس الفكرية الإسلامية في كتبه. وإحدى تلك الجدليات التي أثّرت في كتاباته هو السؤال الذي دار لعصور قبله: العلاقة بين العقل والوحي. قدم حنّا ميخائيل ملخصًا تاريخيًّا جيدًا عن آراء المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة تجاه هذه العلاقة[14]. يركز ميخائيل على المعتزلة الذين حاولوا، كما يرى، الملاءمة بين الوحي والعقل[15]. كما يسأل سؤالًا مهمًّا عن الأسباب التي أدت إلى فشل الفكر المعتزلي وعجزه عن الاستمرار، ويخلص إلى إجابة ذكية، بغض النظر عن رأينا فيها، ألا وهي أن المعتزلة كانوا أعمق فكرًا من أن يستطيعوا صنع حركة فكرية جماهيرية[16]. وبالرغم من أن هذه الإجابة مثيرة للاهتمام حقًّا، غير أن ما غفل عنه ميخائيل أن الحركات الجماهيرية في التاريخ الإسلامي كانت مبنية على "اتّباع" هذه العقيدة أو تلك، وليس بالضرورة بناء على استيعابها. فلطالما جذب بهاء العقيدة الجماهير ليشعروا بدفء عاطفتهم تجاهها، ويفهموها على هذا الأساس.
لعل أبرز ما يواجه قارئ الأحكام السلطانية هو تركيز الماوردي على مبدأ "اختيار" الخليفة. ومن هنا ينبغي التنبه إلى آرائه التي دارت حول "الخلافة" كمؤسسة سياسية. يستهل الماوردي كتابه بذكر الأهمية الدينية للخلافة؛ إذ يعدّها وريثة النبوة في حماية الدين والدنيا[17]. علينا ألا نغفل عن أهمية هذه الصبغة الدينية على الخلافة في دراستها والوقوف على آثارها طوال تاريخنا الإسلامي. لكن علينا التنبه أن هذه الصبغة يمكن فهمها في سياق "وظيفة" الخلافة وليس تصويرًا لمكانتها؛ فليست الخلافة مقدسة، كما قد يفهم من ربطها بالنبوة، بل الشيء المقدس هنا هو "الدين"، تحميه الخلافة وتذود عنه. كانت الدولة في الحضارة الإسلامية من نتاج الدين، وهذا أمر حاسم في كيفية تشكّل مفهوم الدولة في المفهوم الإسلامي. لذلك، كان لدى الدولة في الفكر السياسي الإسلامي وظيفة مقدسة: "حماية الدين"، وأخرى عملية: "سياسة الناس". لذا لا غرابة أن نجد من المعتزلة، على سبيل المثال، من يرى ألّا حاجة إلى الدولة إذا كف الناس عن ظلم بعضهم بعضًا، فقال الأصم المعتزلي: "لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام"[18]. وهذه كلمة موجَّهة إلى الجماهير وليست إلى الدولة.
يناقش الماوردي بعد ذلك ما إذا كانت الخلافة واجبة بالشرع أم بالعقل. ويذكر كلا الرأيين ودليلهما باختصار[19]. ويمكن لنا القول إنه يميل إلى ثبوت الخلافة بالشرع إذا ربطنا تعليله لقول مثبتيها بالشرع باستهلاله الكتاب بأن الخلافة وضعت لحراسة الدين وسياسة الدنيا، كما ذكرنا آنفًا. ثم يذهب إلى أن القيام بالخلافة فرض كفاية[20]. واللافت للنظر هنا أنه يحمّل القصور عن اختيار خليفة على فريقين: "أحدهما أهل الاختيار...والثاني أهل الإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم"[21]. وهذه العبارة الأخيرة هنا لافتة؛ إذ يمكننا فهمها ليس بإخراج الأمة من باب المشاركة في اختيار الخليفة، بل الحرص على رفع ثقل الدولة عنها.
تناول الماوردي، من ثمّ، صفات أولئك الذي سيختارون الخليفة، وكذلك الشروط التي ينبغي توفرها في الخليفة. أما ما يتعلّق بأهل الاختيار، "فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة: أحدها: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف"[22]. أما ما يخص شروط الخليفة، فيذهب إلى وجوب توفر سبعة شروط: العدالة، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد، وسلامة الحواس، وسلامة الأعضاء من أي نقص، والرأي السديد، والشجاعة، والقرشية[23]. إذن اشتملت شروط الخليفة التي ذكرها الماوردي على السلامة الجسدية والعقلية.
وهنا يبدأ الماوردي بتأكيد أهمية "اختيار" الخليفة. فالخلافة حسب تعبيره "عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار"[24]. وكما لاحظ حنّا ميخائيل، بذكاء، أن تأكيد الماوردي اختيار الخليفة يمكن فهمه من جهات ثلاث:
"رفض المبدأ الشيعي المعارض وهو التعيين الإلهي أي المستمد من النص".
"حتى عندما يلي الإمام منصبه عن طريق القوّة، فلا بد له من أن يستوفي حدًّا أدنى من الشروط يبقى لأهل العلم وحدهم أن يحكموا عليها".
"أن الإمام حين يدخل في تعاقد...يكون قد تعهّد حفظ الشريعة وتثبيتها باعتبارها الدستور المثال للجماعة الإسلامية"[25].
لكن ثمة مفهوم آخر يسترعي الانتباه أكّده الماوردي بخصوص الخلافة؛ وهو أنّها "عقد" بين الرعية والخليفة[26]. ومن ثمّ يعتقد الماوردي بأن من اختير للخلافة له الحق في رفض هذا الاختيار، وأن رغبته هذه معتبرة ويجب احترامها. بنى الماوردي رأيه هذا، كما أشار، على مفهوم الخلافة كـ"عقد"[27]. كما أن الاختيار هنا نتيجة طبيعية لنظرية التعاقد؛ إذ كيف يُتصور صحة هذا التعاقد إذا فيه إكراه؟
هذه النظرة إلى الخلافة تؤكّد أن موقع السياسة في عصر الماوردي ليس بذات الثقل الذي نراه اليوم، وأن تعامل الفقهاء المسلمين معها كان كتعاملهم مع سائر الأحكام الأخرى في مدوناتهم الفقهية؛ يتضح ذلك أن الماوردي يذكر الأقوال الفقهية المختلفة في كتابه الأحكام وكأنه يتناول أي باب آخر من أبواب الفقه. ثم إنّ رؤية العلماء إلى أنفسهم بأنهم الذين ينظّرون في السياسة ويتناولون أحكام الدولة يشير إلى تنظير فوق السلطة وليس خاضعًا لها، والأهم من ذلك كله أن العلماء كانوا الحكام الفعليين في المجتمعات الإسلامية[28].
ذكر فهمي هويدي، في كتابه إيران من الداخل، قصة قد تكون معبرة عمّا نحن بصدد نقاشه هنا. قال إن وفدًا من شخصيات إسلامية زار إيران في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ورتب لهم أوّلاً لقاء مع أعضاء مجلس صيانة الدستور، وأثناء اللقاء "أعرب أحدهم عن رغبة الوفد في لقاء رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. عندئذ تبادل اثنان من آيات الله الابتسام، وقال أحدهما للآخر مستنكرًا بلغة عربية سمعها الزوار، بعد اجتماعهم معنا، لماذا يريد إخواننا أن يضيّعوا وقتهم مع أولئك الموظفين؟!"[29].
قد لا تصور هذه القصة حقيقة دور علماء السنة في الاستقلال بالمجتمعات السنية بعيدًا عن المؤسسة السياسية، وإن كانت عبارة "العلماء حكام على الملوك" حاضرة، في المقابل، في التراث الشيعي[30]. أما فيما يخص الشيعة فيبدو أن العلماء كانوا هم الحكام الفعليين في ظل غياب دولة تمثلهم في القرون الأولى من تاريخ الإسلام.
قدّم الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين تحليلًا لبدء انفصال العلماء عن الحكام؛ ذاهبًا إلى أن الحكم بدأ مع الخلفاء الراشدين بحكام كانوا علماء في الآن نفسه، ثم تولى الأمر من افتقد العلم، ومنذئذ سار الفريقان في اتجاهين منفصلين. ونبه كذلك أن هذا الانفصال هو الذي صنع طبقة من الناس اتخذت العلم-الفقه خاصة-سبيلًا للتقرب إلى الحكام[31]. يقول الإمام الغزالي "اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله تعالى، وفقهاء في أحكامه، ومستقلين بالفتاوى في الأقضية... فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق، ولا استقلال لهم بعلم الفتاوى والأحكام... اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء..."[32]. ما يهمنا من كلام الإمام هو هذا التصور للحاكم الذي يعد الدين والعلم جزءًا منه، والانفصال الذي أشار إليه لم يكن انفصالًا بين فريقين (العلماء والحكام) فحسب؛ بل كان انفصالاً في طبيعة الحكم نفسه. من هذا المنطلق يمكننا فهم أدبيات التحذير من الدخول على الحكام والاتصال بهم، والتي امتلأت بها كثير من كتب علماء المسلمين.
يذهب وائل حلاق إلى أن طبيعة مجتمع العلماء البارز من أوساط الطبقات الاجتماعية بشتى ألوانها، وثم طبيعة الإفتاء الذي جعل الصلة بين الناس وبين العلماء شبه يومية، كل ذلك أدى إلى مكانة متميزة لأهل العلم، فكان أن "برز الفقهاء والقضاة كقادة مدنيين وجدوا أنفسهم، بحكم طبيعة "مهنتهم"، مشاركين في الإدارة اليومية للشؤون المدنية"[33].
لكن صاحب الفضل البارز في تطوير أطروحة "سلطة العلماء" هو المغربي عبد المجيد الصغير في كتابه الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام[34]. وقد مهد في مقدمته القيمة لكتابه بالحديث عن الأسس التي يمكن بناء أطروحته عليها. كان من أهم الإشارات الذكية التي طرحها الصغير في مقدمة كتابه هو امتزاج العقائد الكلامية بالدعوات السياسية (الخوارج والمعتزلة وغيرهم)؛ وكأن هذه الدعوات/الثورات، ممثلاً لها بثورة "القرّاء"، "تمثل صميم حاملي "الكتاب" والمتعاطين "للعلم" على مواجهة "صاحب السيف"، وإرغامه على خضوعه للعلم والكتاب، باعتباره مصدرًا للشرعية والسلطة"[35].
نقلنا آنفًا قول الماوردي عند الحديث عن الصنفين الموسومين بالتقصير إذا حدث إخفاق عن اختيار الخليفة: "أحدهما أهل الاختيار... والثاني أهل الإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم"[36]. وعلينا الانتباه إلى إخراجه بقية الأمة من مأثم التقصير عن اختيار الخليفة، وما يوحيه لنا هذا النص عن ثقل الدولة/السلطة على الأمة من عدمه.
ما يمكن الاستدلال به كذلك على استقلال العلماء بالمجتمعات الإسلامية عن (السلطة السياسية) هو الخط البياني لحال أهل العلم والمجتمع في التاريخ الإسلامي؛ ففي الأوقات التي شهدت فيها الحالة السياسية انهيارًا تامًّا لم ينعكس هذا الانهيار على المجتمعات المسلمة ولا على محيط العلماء[37]. ولعلّنا بدراسة هذا الانفصال قد نفهم الحركة الإصلاحية التي قام بها نظام الملك في الشأن التعليمي بإنشاء "المدارس النظامية"؛ وهي حركة تتجاوز-في رأينا-إصلاح التعليم ومواجهة الفرق الباطنية إلى محاولة تنظيم هذا الصف (العلماء) الذي انفصل عن أهل السياسة[38]، والذي له أثر سلطوي في الجماهير أكثر مما للدولة عليهم.
كما يمكن التدليل على هذا الانفصال بمقارنة حالات الدول غير السنية، أو حتى السنية القليلة، التي امتزج فيها العالم والحاكم في رأس الدولة. وأقرب الأمثلة: الدولة الزيدية والإباضية.
لفهم انفصال العالم عن السلطان في الحالة السنية، واتصالهما في دول مثل الزيدية والإباضية؛ على الباحث أن يبتعد عن أطروحات المدرستين الأخيرتين في طورهما التنظيري/ الثوري. فعالم المُثل في الحركات الثورية يشابه مثال العهد الراشدي عند أهل السنة؛ أي إن للتجربة التاريخية ثقلها الذي لا نستطيع إغفاله في دراسات تعنى بالجوانب السياسية عند هذه الطائفة أو تلك. لذا كان من الأجدى دراسة هذه الجوانب بعد أن سارت التجربة بمثل هذه الدول المؤسسة على أفكار تلك الطائفتين قرونًا أصبحت بعدها التجربة التاريخية هي التي توجه التنظيرات لديهما.
واجه الماوردي مؤسسة سياسية هشة وهرمة ومتدهورة (الخلافة)، أمسكت بأطراف عالمها الإسلامي، بشعوبه المتنوعة، لأكثر من ثلاثة قرون. شهد الفقيه الشافعي السني صعود قوة البويهيين وسيطرتهم على مؤسسة الخلافة، آتين بخصومتهم وأيديولوجيتهم المعارضة للغالبية السنية إلى أعلى مستوى. كانت أمامه تحديات ينبغي معالجتها. فآراء أهل السنة، الذين ينتمي إليهم، مبعثرة في كتب الفقه والحديث والتفسير. كان مدركًا الواقع المؤلم، حائزًا المعرفة الجديرة بتغييره، وكونه قاضيًا أفضى إلى معرفة عملية لديه.
عند دراستنا الماوردي، خاصة كتابه الأحكام السلطانية، علينا التركيز على طروحاته لجميع أقسام الخلافة، والتي وردت واضحة في كتابه: الإمامة، والإمارة، والجهاد، والحسبة.. وغيرها من أصناف الأعمال الحكومية. ولعل أبرز الأخطاء التي قد تلاحظ في كتابات عدد ممن تناول الماوردي هو التركيز على آرائه في الخلافة/الإمامة لا غير. فوق ذلك، عندما دُرست نظريته في الخلافة -كمفهوم- يتم الخلط بطريقة ما بين الخليفة والمفهوم (الخلافة) ليدرسا بشكل مربك. كما يمكن لكتاب الماوردي، الأحكام السلطانية، أن يكون بمنزلة قراءة سياسية لعصره؛ وحينها تتجاوز أهمية الكتاب مسألة الوقوف مع أو ضد ما ورد فيه من آراء إلى كونه وثيقة تاريخية تصور أزمات عصر الماوردي. أزعم، كما شرحت آنفًا، أنه ينبغي دراسة الماوردي وفهمه بطريقة أوسع وأشمل بعيدًا عن الخليفة كمنصب؛ أي دراسة آرائه عن الخلافة كمؤسسة. فآراؤه المبثوثة، في كتابه الأحكام السلطانية، عن الأمراء وقادة الجيوش والقضاة وغيرهم ينبغي أخذها بعين الاعتبار لكي نفهم نظريته السياسية الكاملة عن الدولة في الإسلام.
إن فهم السياسة في ظل دولة شمولية لطالما دار حول رأس هذه الدولة. إنها دولة "تجسّدت" في زعيمها، وزعيم يمثل الدولة بأكملها. وأثناء ممارستنا عملية الفهم، سواء كانت عن الدولة أو غيرها، فقلما ننفصل عن بيئتنا المحيطة والعوامل النفسية التي تعتلج فينا. ولطالما خدعنا أنفسنا بأننا خالون من كل المؤثرات، وكأننا نمسك أدمغتنا بأيدينا علامة على سيطرتنا الكاملة لما نفهم ونقرأ. وكأن كل السبل التي تسافر الأفكار عبرها إلينا ثم تغادر خالية من أي عقبة. وغالبًا ما ننسى كل تلك الأفكار المتراكمة، الحية منها والميتة، التي توارت في مكان ما مظلم من عقولنا. نحاول إنكار كل شيء للحفاظ، أو الوهم بأننا نحافظ، على فهمنا (الصافي). لم تكن معضلتنا مع التراث، بشكل عام، والماوردي، على وجه الخصوص، سوى صورة لكل هذه الاضطرابات في الفهم التي جعلت من الخلافة، كدولة سبقت أشكال الدولة الحديثة، وكأنها شكل من أشكال الجمهوريات أو حتى الممالك الحديثة.
[1] باحث في منتدى العلاقات العربية والدولية-الدوحة، مهتم بالتاريخ الثقافي لليمن.
[2] هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة: إحسان عباس ومحمد يوسف نجم ومحمود زايد، بيروت: دار العلم للملايين، 1979، ص 186.
[3] Rosenthal, Erwin I. J. Political Thought in Medieval Islam: An Introductory Outline. Cambridge: University Press, 1968. p.28.
ولا يخفى الأثر الاستشراقي المسيحي لمثل هذا التصور: ثنائية البابا والإمبراطور. وقد ناقش توماس أرنولد منتقدًا هذه التصورات باستفاضة في كتابه الخلافة.
[4] روزنتال، المصدر السابق، ص 28 .
[5] توفيق السيف، نظرية السلطة في الفقه الشيعي: ما بعد ولاية الفقيه (د. م.: د.ن.، 2014)، ص 55. متوفر على مدونة الكاتب:
http://talsaif.blogspot.com/2014/06/blog-post.html
[6] المصدر السابق، ص 55 .
[7] تجدر الإشارة هنا إلى كتاب أحمد الكاتب تطور الفكر السياسي الشيعي: من الشورى إلى ولاية الفقيه، بيروت: دار الجديد، 1998 .
[8] صلاح الدين بسيوني رسلان، الفكر السياسي عند الماوردي، القاهرة: دار الثقافة، 1983، ص 24.
[9] المصدر السابق، ص 28.
[10] المصدر السابق، ص 27.
[11] حنا ميخائيل، السياسة والوحي: الماوردي وما بعده، تعريب: شكري رحيّم، بيروت: دار الطليعة، 1997، ص 117.
[12] جب، مصدر سابق، ص 182.
[13] للاطلاع على نقاش أوفى فيما يتعلق بآراء بعض المستشرقين عن كتاب الأحكام السلطانية، راجع مقدمة رضوان السيد الممتازة لكتاب الماوردي قوانين الوزارة، مع تحفظي على بعض الآراء التي افتقدت للأدلة عليها: الماوردي، قوانين الوزارة وسياسة الملك، تحقيق ودراسة: رضوان السيد، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 5-114، وفي المقدمة الذكورة حديث جيد عن الحفاظ على مؤسسة الخلافة.
[14] ميخائيل، مصدر سابق، فصل "ما قبل الماوردي"، ص46-52.
[15] نفسه، ص 48.
[16] نفسه، ص68.
[17] أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، تحقيق: أحمد مبارك البغدادي، الكويت: مكتبة دار ابن قتيبة، 1989، ص 3.
[18] أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1950، ج2، ص 133.
[19] الأحكام، ص3-4.
[20] السابق، ص4.
[21] السابق، ص4، والتأكيد من عندي.
[22] السابق، ص4.
[23] السابق، ص5. واستدل الماوردي على شرط القرشية بأن أبا بكر الصديق استدل بحديث "الأئمة من قريش" في نقاش السقيفة. وهذا لا يثبت كما أشار إلى ذلك ابن حجر في فتح الباري. نبه إلى ذلك محمد المسعري في رسالته خبر السقيفة ومتعلقاتها (رسالة متوفرة على الشبكة).
[24] الماوردي، الأحكام، ص8.
[25] ميخائيل، ص 77-78.
[26] الماوردي، الأحكام، ص8.
[27] المصدر نفسه.
[28] تناول عدد من الكتاب هذه النقطة، منهم عبد المجيد الصغير في كتابه الفكر الأصولي وإشكالية السلطة في الإسلام، وسعيد بنعلوي في كتابه الخطاب الأشعري، وأخيرًا وائل حلاق في كتابه الدولة المستحيلة.
[29] فهمي هويدي، إيران من الداخل، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1991، ص113.
[30] تنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب تارة (ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بغداد: دار الكتاب العربي، 2007، ج20/ص 423)، وتارة إلى جعفر الصادق.
[31] الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، جدة: دار المنهاج، 2011، 1/155-158. وقد يفهم إخراج الإمام الغزلي للفقه من علوم الآخرة وعده من علوم الدنيا في سياق هذا الانفصال الذي أشرنا إليه أعلاه؛ أي إن الإمام أراد قطع الطريق أمام متلقي الفقه وأمام السياسيين الذي يتخذون من أهله وسيلة لحماية السلطة.
[32] الإمام الغزالي، المصدر السابق، 1/155.
[33] وائل حلاق، الدولة المستحيلة، ترجمة: عمرو عثمان، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص 113
[34] صدر عن دار المنتخب العربي ببيروت، 1995م.
[35] عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي، مصدر سابق، ص 48.
[36] الماوردي، الأحكام، ص4. و التشديد من عندي.
[37] الانتباه إلى الانفصال الذي حدث بين الحكام والعلماء في التاريخ الإسلامي، وكذلك التنبه إلى وضع الدولة ومدى ثقلها في العصور السابقة للدولة الحديثة، ينفي عن التاريخ الإسلامي الصورة القاتمة التي نشرها كثير من الكتاب اليوم؛ صورة تملأها الهزائم والدماء، وتقدم تاريخنا سلسلة لا تنتهي من الصراعات، في سردية تُغفل تركيب المجتمعات المسلمة خارج السياسة.
[38] وقد ينظر إلى هذه الحركة كمحاولة لإدخال العلماء تحت سيطرة الدولة، ولكن تاريخ العلماء فيها لا يؤيد ذلك. أما من ناحية الأثر البعيد لمثل هذا التنظيم، والذي ظهر في القرون اللاحقة، فأمر آخر ليس من أهداف هذه الورقة تناوله.