المعركة لأجل الشمال في سوريا والعراق: المسيحيون كفاعلين جدد
مقدمة
بالنظر إلى حالتي الفراغ الأمني وهشاشة بنية الدولة العراقية وتداعيات الثورة السورية على المناطق الجغرافية الشمالية في كل من سوريا والعراق؛ أدى تراجع نفوذ المركز (دمشق/ بغداد) إثر الصراع إلى خلق فراغٍ سياسي وقانوني وتنظيمي حفّز بروز قيادات وفاعلين محليين جدد ينافسون الدولة في سلطتها ونفوذها، قبل أن يؤدّي الصراع لاحقاً إلى تحوّل دور الفاعلين الجدد إلى ممارسة نفس أدوار الدولة منتفعين من نفس مميزاتها بكونهم فاعلين جدداً من غير الدول (Non-State Actors) فيما يعرف في العلوم السياسية بـ"المحاكاة" أو "المماهاة" للدول (Mimicry of States) ، فإن الجغرافيا والتمايز العرقي والديني التي تتمتع بها مناطق شمال سوريا وشرقها وشمال العراق وغربها، ووجود الجماعات المسلحة من مختلف الخلفيات الفكرية والعقدية الطامحة لتنفيذ مشروعها، أدّى إلى تعزيز هذا الدور الجديد للأقليات المقيمة في هذه المناطق الجغرافية.
الكاتب
محمود أبو السمن

مقدّمة

بالنظر إلى حالتي الفراغ الأمني وهشاشة بنية الدولة العراقية وتداعيات الثورة السورية على المناطق الجغرافية الشمالية في كل من سوريا والعراق؛ أدى تراجع نفوذ المركز (دمشق/ بغداد) إثر الصراع إلى خلق فراغٍ سياسي وقانوني وتنظيمي حفّز بروز قيادات وفاعلين محليين جدد ينافسون الدولة في سلطتها ونفوذها، قبل أن يؤدّي الصراع لاحقاً إلى تحوّل دور الفاعلين الجدد إلى ممارسة نفس أدوار الدولة منتفعين من نفس مميزاتها بكونهم فاعلين جدداً من غير الدول (Non-State Actors) فيما يعرف في العلوم السياسية بـ"المحاكاة" أو "المماهاة" للدول (Mimicry of States)، فإن الجغرافيا والتمايز العرقي والديني التي تتمتع بها مناطق شمال سوريا وشرقها وشمال العراق وغربها، ووجود الجماعات المسلحة من مختلف الخلفيات الفكرية والعقدية الطامحة لتنفيذ مشروعها، أدّى إلى تعزيز هذا الدور الجديد للأقليات المقيمة في هذه المناطق الجغرافية.

وفي حين يقرر الدستور العراقي الذي تمت كتابته في 2005 بقيادة الحكومة الانتقالية تحت الاحتلال الأمريكي آنذاك، في مادّته الـ 140، على إقامة استفتاء دستوري يحدد مصير المناطق المتنازع عليها في العراق ما بين حكومة المركز في بغداد وحكومة الإقليم في إربيل، تبقى مناطق الشمال العراقي الواقعة على خطوط التماس ما بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في سهل نينوى شرق محافظة نينوى، من أهم المناطق المتنازع عليها ما بين بغداد والأكراد. ويسكن في سهل نينوى عدّة أقليات دينية وعرقية، منها القرى الآشورية ذات الأغلبية المسيحية شرقي الموصل، والإيزيديين القاطنين في جبال سنجار غربي الموصل، بالإضافة إلى أقليات أخرى من التركمان والشبك. وإذ يستمر النزاع ما بين الأكراد وبغداد على مناطق سهل نينوى، حيث تطالب إربيل بضم السهل إلى إقليم كردستان، بينما تصرّ بغداد على رفض ذلك، وهو السبب الذي يقف وراء عدم عقد أي استفتاء دستوري كما نصّ الدستور العراقي للفصل في المناطق المتنازع عليها، خوفاً من أن يختار الآشوريون وبقية الأقليات المقيمة الانضمام إلى الإقليم؛ وذلك للتقارب الجغرافي ما بين السهل والإقليم، والعلاقات المتوترة بين الأطراف المتواجدة.

ولقد تواجدت عدة قوى تقوم بتأمين منطقة سهل نينوى من البيشمركة الكردية وقوات أمنية عراقية، على طوال الخط الكردي-العراقي وبعض مناطق الخط السوري-العراقي، إلا إنها لم تكن قادرة على صد الهجوم الذي شنّه تنظيم الدولة الإسلامية في العاشر من حزيران 2014 على محافظة نينوى، حيث انسحبت قوات البيشمركة كافة شمالاً نحو الإقليم، وخرجت القوات الأمنية العراقية هاربة بعد فشلها في صدّ الهجوم، وهو الأمر الذي أدّى إلى سيطرة التنظيم على كامل نينوى، بالإضافة إلى فتح الطريق أمامه نحو جبال سنجار في شمال غرب العراق، حيث يسكن الإيزيديون، وسهل نينوى شرق الموصل حيث يسكن الآشوريون والسريان من الفاعلين الجدد.

وعلى غرار الفراغ الأمني الحاصل في الشمال العراقي، فلقد أدّى انحسار سيطرة القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد في الشمال السوري وحالة الفراغ الأمني إثر خروج الجبهتين الشمالية والشرقية سريعاً عن قبضة النظام إلى تفعيل دور فاعلين جدد من غير الدولة، من الأحزاب الكردية الناشطة في المناطق ذات الأغلبية الكردية في الشمال السوري، حيث تتخذ هذه الأحزاب موقفاً معارضاً للنظام لأجل تحقيق اعترافٍ دستوري بحقٍ كردي بإقامة إدارة ذاتية، دون معارضته في سائر المطالب التي خرجت بها الثورة. وفيما انسحبت ودُحرت قوات النظام سريعاً في أواخر 2012؛ مما أدّى إلى استقطاب الكثير من الجماعات والأحزاب، حتى تأسيس قوات ومجالس سريانية وآشورية مسيحية في المنطقة، في محاولة لاستنساخ التجربة الكردية في الإدارة والأمن.

وبالإضافة إلى ذلك، فلقد نشطت عدّة حركات إسلامية في المنطقة، منها جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (بعد الانفصال في نيسان/ إبريل 2013)، وحركة أحرار الشام الإسلامية، في مناطق الجزيرة السورية في الرّقة والحسكة وفي دير الزور، بعد تحريرها من سيطرة النظام وتثبيت أركان الثورة فيها. إلا إن النزاعات المُسلحة التي شهدتها المنطقة ما بين الحركات الإسلامية والأحزاب الكردية، كانت سبباً رئيسياً في تحويل ميول المسيحيين المسلحين إلى طرف الأكراد والنظام، وهو الأمر الذي حوّل بوصلة الصراع من صراع ضد النظام السوري تشنّه القوات الكردية وحلفاؤها، إلى صراع تشنه ذات الحركات ضد وجود الجماعات الجهادية التي ترى فيها "خطراً وجودياً" أكبر من خطر النظام السوري، خصوصاً بعدما تمكنت قوات حماية الشعب الكردية من الاستفراد بحكم مناطقها وتثبيت أركان مشروع الإدارة الذاتية، مستثمرة حالة الفراغ الأمني الناجمة عن انحسار سيطرة دمشق.

كما يبدو، تشترك منطقتا الشمال السوري والعراقي بفراغٍ أمني كبير، وساحة صراع واسعة لشتى القوات الفاعلة هناك، بالإضافة إلى تواجد تجمعات دينية وإثنية مسيحية لم تنخرط في أي نشاط عسكري، ولا تربطها صلات قوية بدمشق أو ببغداد، وتربط بعضها علاقات عداء تاريخية بالأكراد على إثر المشاركة الكردية في العمليات العسكرية التي شنتها حكومة الاتحاد والترقّي في أواخر أيام الإمبراطورية العثمانية ضد السريان في ماردين ورأس العين، شمالي عين العرب.

 

الصراع القديم

زاد وجود المسيحيين السريان في العراق وسوريا بكثافة كبيرة في عشرينيات القرن الماضي، منذ بدأت الحملة التي شنّتها حكومة الاتحاد والترقي ضد تجمعات أرمنية وسريانية بعد الحرب العالمية الأولى، أجبرتهم على النزوح من تركيا إلى العراق وسوريا، وهي الحادثة التاريخية التي يعرفها السريان باسم "سيفو"، التي نفذتها عشائر كردية متحالفة مع حكومة الاتحاد والترقي ذات التوجه العلماني المتطرف. وهو الأمر الذي ما يزال يتردد صداه في أروقة الحكومات الأوروبية والتركية حتى اللحظة، إلا أنّه شكّل أحد أهم أنماط العلاقات في العراق وسوريا، وهي كلها مناطق تشترك بمحاذاة الأكراد لها من الشمال، وبانفلات أمني وتراجع لسلطة المركز وبوجود أقليات دينية تمتلك هوية دينية ممايزة لها.

مرّت منطقة شمال سوريا بفترتين زمنيتين محوريتين منذ اندلاع الثورة السورية: الأولى هي انحسار سلطة النظام السوري في محافظة الحسكة ودير الزور وحلب، وتحرر مسيحيي الشمال من سطوة النظام الذي ما يزال بأعين مسيحيي دمشق وعدة محافظات سورية أخرى أفضل من أي فصيل منافس له، الأمر الذي سمح لهم بالتحرك العسكري على أساس الهوية السريانية، وبنسخ التجربة الكردية عبر تشكيل قوات حماية داخلية لملء الفراغ الأمني في المناطق التي استطاعوا التحرك فيها في ضوء قلة التمويل واضطراب القدرات التسليحية والتجنيدية. وأما المحور الثاني، فهو نشاط الحركات الجهادية في الجبهة الشرقية، الأمر الذي حوّل بوصلة القتال من أجل الثورة على الأسد إلى قتال من أجل البقاء ضد الحركات الجهادية، وصولاً إلى الاقتتال الداخلي بين هذه التنظيمات وانسحاب جبهة النصرة وحركة أحرار الشام في منتصف 2014 بعد اقتتال عنيف مع تنظيم الدولة في جنوب الحسكة ودير الزور.

بينما كان الحال مختلفاً في العراق؛ حيث وضع المسيحيون العراقيون الذين قرروا البقاء في العراق، ثقتهم ببغداد للدفاع عنهم، بالإضافة إلى قوات البيشمركة في حالة الموصل، حيث يحاذيهم الأكراد من الشمال والشرق، بينما فضّل كثيرون منهم الفرار بأرواحهم وترك مدينة الموصل وسائر العراق في مختلف فترات صراعاته، من دون أي رغبة في التوجه نحو التسلح والعسكرة، إلا إن صدمة سقوط سهل نينوى في أغسطس 2014 ومحاصرة تنظيم الدولة لجبل سنجار، كانت أحد النقاط المحورية في الصراع في الشمال العراقي.

وتتنافس عدة أطراف على تسليح سريان وآشوريي مناطق الشمال، حيث تقوم حكومة كردستان بتقديم دعم سخي ومفتوح للمجندين الجدد في سهل نينوى، وتقوم كتائب شيعية مدعومة مباشرة من إيران ضمن إطار ميليشيات الحشد الشعبي بتقديم دعمٍ سخي كذلك لتجنيد مسيحيين إما مُهجرين من مناطقهم، أو من لم يحالفهم الحظ في الحصول على تمثيل برلماني وسياسي في الدولة العراقية الهشة، بينما يعمل حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري (حزب الاتحاد) على تقديم كافة سُبل الدعم للسريان والآشوريين الموافقين على الانضمام لمشروعه الانفصالي.

الصراع الثلاثي

يمكن وصف "الصراع الثلاثي" على أراضي الشمال السوري والعراقي، وهو المشروع الذي تخوضه ثلاثة قوى عسكرية، تتفاوت في قدراتها العسكرية وتحالفاتها، بأنه أحد أعنف الصراعات التي شهدتها المنطقة. فمن جهة، يسعى الأكراد إلى تثبيت أقدام مشروع الإدارة الكردية الذاتية في سوريا، داعين الأقليات الإثنية والدينية والعشائر العربية إلى الانضمام إليهم، خصوصاً وأن الشمال السوري يدخل فيما يُسمى بـ"كانتون الجزيرة" ضمن مشروع روج آفا (غرب كردستان الكبرى في سوريا)، عن طريق ضم الحسكة إلى عين العرب كوباني وعفرين في امتداد جغرافي وسياسي واحد للإدارة الذاتية.

ومن جهة أخرى يعمل تنظيم الدولة الإسلامية على تثبيت أركان سيطرته وحكمه على الشمال السوري، الذي يُشكّل معبراً استراتيجياً للتنظيم نحو الشمال العراقي حيث معقل التنظيم في الموصل، إذ يفقد التنظيم أحد أهم خطوطه التي تربط معقله السوري في الرّقة بمعقله العراقي في الموصل في حال فقدانه لمناطق سيطرته في مدينة الحسكة التي أطلق عليها اسم "ولاية البركة"، بالإضافة إلى رغبته في السيطرة على الطرق الدولية الرابطة ما بين العراق وحلب والطرق المؤدية إلى معاقل النظام في القامشلي (مطار القامشلي والفوج 154 والمربع الأمني). ومن جهة أخرى يعمل النظام السوري وحلفاؤه على تثبيت أي قدم لهم في هذه المنطقة في ظل تنامي النفوذ الكردي، بالرغم من أن العلاقات ما بين النظام وحزب العمال الكردستاني ليست مضطربة على الإطلاق، ولقد شنّ الطرفان عمليات عسكرية مشتركة، كما أن النظام يقوم أحياناً بتزويد الأكراد بالدعم العسكري، كما حصل في الإمداد العسكري الضخم (700 جندي وغطاء جوي) الذي قدمه النظام السوري في الثامن عشر من إبريل 2015 لقوات حماية الشعب الكردية في الحسكة في صراعهم ضد التنظيم، وفي أحيان أخرى يحاول دعم تنظيمات وجماعات وعشائر في المنطقة لتقوية وجوده هناك. وعلى الجانب الآخر في العراق، تتصارع كذلك ثلاثة أطراف على الشمال العراقي، وهي بغداد وحكومة كردستان العراق وتنظيم الدولة.

وفي ظل هذه الصراعات الثلاثية التي تعصف بالشمالين السوري والعراقي، تكون الأقليات الدينية والإثنية هي الطرف الأضعف الباحث عن طرفٍ أقوى للتحالف معه، وهو الأمر الذي سيعزز حالة الاستقطاب داخل المجتمع الآشوري والسرياني على وجه الخصوص في كُل من سوريا والعراق، بدءاً من المطالبات بالانفصال والإدارة الذاتية، ومطالبات بالانضمام إلى الإقليم الكردستاني، وصولاً إلى التسلح والعسكرة والتحول إلى التنظيم العسكري والميليشاوي.

بالرغم من أن المطالبات الآشورية بالانفصال في سهل نينوى ليست جديدة على لائحة المطالب، فإن فشل القوات العراقية التي كانت تحظى بثقة الأقليات في صد هجوم تنظيم الدولة، كان هو الدافع الأكبر وراء التسلح والاعتماد على المقاتلين الآشوريين والسريان، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولقد تجسدت هذه المطالب بلجوء المسيحيين إلى الأطراف الموجودة في العراق، وهي بغداد وكردستان. وبينما اتجهت العديد من الأحزاب الآشورية القومية إلى التحالف مع كردستان التي كانت السبّاقة عبر دعوة رئيس كردستان العراق مسعود بارزاني في أغسطس 2014 للمسيحيين بالتطوع إلى البيشمركة للدفاع عن أراضيهم، عمدت القوى الأخرى التي تتبنى الهوية الدينية بشكلٍ أساسي قبل القومية الآشورية، إلى التحالف مع بغداد وميليشيات الحشد الشعبي، في إشارة منها إلى انعدام ثقتها بالإقليم الكردستاني، وهو الأمر الذي جلب شعار "المسيح للأبد ويا علي مدد" إلى الواجهة الذي يظهر بشدة في الخطاب المسيحي الداعم للحكومة العراقية والمتحالف مع الحشد الشعبي، ناهيك عن الخطاب المسيحي الداعم للنظام السوري والمتحالف مع حزب الله اللبناني. بل إن أحد المرجعيات الشيعية في بغداد، الشيخ أحمد الربيعي، يقول أثناء تواجده في أحد معسكرات تدريب لكتيبة مسيحية بأنّ "الأيام تعيد نفسها، أصحاب الحسين سلام الله عليهم ورضي الله عنهم... بذلوا قصارى جهدهم، ونرى أن مع أصحاب الإمام الحسين كانوا نفراً من المسيح، والمسيح أيضاً يأتوا مع مَن ينصر الحسين"(المسيح يعني بهم المسيحيين).

وأما في سوريا، فلقد بدأت وتيرة العمل الثوري بالانضمام إلى المجلس الوطني السوري في إسطنبول، إذ حصل المسيحيون من الأصول الآشورية على 3 مقاعد في المجلس الوطني، وتلا ذلك تأسيس مجلس منبثق عن المجلس الوطني وهو المجلس السرياني السوري في إسطنبول، إلا أن فشل المعارضة السياسية في تحقيق أي إنجازات على الأرض، سرّع حركة التسلح في صفوف السريان والآشوريين، في ظل رغبة كردية ونظامية بتسليح المسيحيين للوقوف في وجه الفصائل الإسلامية الناشطة في الشمال. وقد كانت وتيرة التسلح تسير نحو التحالف مع المقاتلين الأكراد؛ أولاً لانحسار سلطة النظام وتدهوره في أهم المعاقل المسيحية في الحسكة، وثانياً لتوتر العلاقات التاريخية ما بين النظام البعثي الذي كان يعمد إلى التضييق على مسيحيي الشمال الذين ما يزالون يستخدمون اللغة السريانية كلغة طقسية في الكنائس التي تحتفظ بهوية مشرقية سريانية حتى هذه اللحظة، بينما يعمد مسيحيو حلب ودمشق وحمص وغيرها من المحافظات السورية إلى استخدام العربية كلغة طقسية. ومن الجدير بالذكر أن اللغة في المسألة المسيحية في سوريا تعتبر قضية هوياتية، فاستخدام السريانية يعني الاحتفاظ بالهوية المسيحية المشرقية، بينما استخدام العربية يعني رضوخاً للتيار القومي الحاكم في سوريا، بالإضافة إلى أن العربية استبدلت سابقتها اليونانية المعبرة عن المسيحية الغربية، ولم تستبدل السريانية.

إلا إن النظام السوري ما يزال يحتفظ بوجود وتأييد نسبي في أعين آشوريي نهر الخابور في غرب الحسكة، إذ ما تزال المُعرّفات الآشورية على مواقع التواصل الاجتماعي تصف الوجود الكردي في قرى الخابور بعد أخذها من قبضة تنظيم الدولة بـ"الاحتلال الكردي"، بينما تطلق ذات المعرّفات على التدخل النظامي السوري في المعارك صفة "التحرير".

نقاط حرجة في الصراعين السوري والعراقي

كيف اندفع المسيحيون للعسكرة والتحالف مع الأطراف المجاورة؟ ومَن جلب مَنْ؟ لا يمكننا النظر في المسألة المسيحية في شمال سوريا دون أخذ موجات حمل السلاح التي اجتاحت سوريا منذ اندلاع الثورة بعين الاعتبار، خصوصاً وأن انسحاب النظام وانحسار سيطرته في الشمال خلق فراغاً توجب ملؤه وهو ما أدّى إلى ظهور ميليشيات مسيحية أمنية في 2012 في الحسكة. وقد يلُح السؤال حول كيفية تفسير إعلان المجلس العسكري السرياني السوري في يناير 2013 بكونه ممثلاً عسكرياً ثورياً عن المسيحيين في وجه "حزب البعث" الحاكم في سوريا، ونجد ذات المجلس مقاتلاً إلى صف القوات النظامية في معارك في الحسكة في ديسمبر 2013، فهل عمل النظام على ضم الحلفاء الأضعف إلى صفه أم اتجهت الأطراف الضعيفة إلى التحالف مع الأطراف الأقوى منها؟

يصف أحد مقاتلي المجلس العسكري السرياني السوري، خلال معارك في الحسكة في يناير 2014، أن "الأزمة" ساعدت على تقريب المسافات ما بين الأكراد والسريان الذين عمل النظام طويلاً على فصلهم على حد وصفه، وهو الأمر الذي أدّى إلى التقارب ما بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والمقاتلين السريان وصولاً إلى التحالف العسكري.

إلا إننا نذهب للقول إن العدو المشترك هو السبب الرئيس الذي عمل على جمع عدة أطراف في تحالف واحدٍ، فلقد شكّل توغل قوات عدة كتائب إسلامية إلى الشمال السوري باتجاه مدينة القامشلي تحدّياً وجودياً، اعتبره المسيحيون والأكراد على حدٍ سواء خطراً أكبر من خطرِ النظام، وهو الأمر الذي سرّع وتيرة التحالف.

خلال بحثنا في خريطة المعارك التي دارت في الشمال والشرق السوري، تظهر معارك الاقتتال الداخلي في جنوب الحسكة ودير الزور ما بين جبهة النصرة وحركة أحرار الشام من جهة، وتنظيم الدولة -الذي أصبح يُعرف إعلامياً آنذاك بداعش - من جهة أخرى في العام 2014، هي المعارك الأهم التي غيّرت مسار الثورة السورية في الجبهة الشرقية، إلا أننا نُرجّح وجود معارك سابقة عليها أدّت إلى تغيير شامل في نمط الصراع في الشمال السوري، حيث كانت معارك الاقتتال الداخلي هي إحدى نتائجها.

من هذه المعارك هي معارك تل حميس وتل براك ما بين نوفمبر 2013 وحتى فبراير 2014 والتي لعب الأكراد والمسيحيون أدواراً مهمة فيها. تقع تل حميس في جنوب شرق مدينة القامشلي (الواقعة في أقصى الشمال السوري)، بينما تقع تل براك في جنوب غرب القامشلي، على بعدٍ لا يزيد عن 40 كيلومتراً من قلب المدينة. تكمن أهمية تل براك وتل حميس بكونهما مناطق استراتيجية تساعد على التقدم نحو مركز مدينة القامشلي التي تحتضن مطاراً مدنياً للنظام الذي أصبح ثكنة عسكرية تنطلق منها مدفعية وطائرات النظام الحربية لاستهداف المنطقة الشمالية، والفوج 154 الواقع إلى شرق المطار، بالإضافة إلى أن تل براك تقع على طريقٍ واصل ما بين القامشلي والحسكة ودير الزور، وأن التقدّم نحوها يضع أهم الطرق الدولية تحت سيطرة الكتائب الإسلامية. إلا أن سيطرة حركة أحرار الشام وتنظيم الدولة على هذه المناطق كان يُنذر بتقدمٍ قريب نحو القامشلي المعقل الأخير للنظام وإكمال تحرير الجبهة الشرقية، وهو الأمر الذي أدّى إلى تفعيل تحالف علني ما بين قوات الدفاع الوطني التابعة للنظام السوري وقوات حزب العمال الكردستاني، لمهاجمة تل براك وتل حميس التي تسيطر عليها الكتائب الإسلامية.

كانت قوات الحزب الكردستاني سابقاً قد خاضت معارك عنيفة في محاولتها للسيطرة على تل حميس وتل براك. ولقد أدّى ذلك إلى خسارتها أكثر من مئتي مسلح وقعوا قتلى. وفي سياق ردّها على خسائرها المادية والبشرية، استثمرت قوات الحزب الكردستاني سيناريو تقدّم قوات العدو المشترك المتمثل بالكتائب الجهادية نحو الشمال والخطر المحتمل على الوجود المسيحي، للإعلان عن "قوات مشتركة" تضم المجلس العسكري السرياني السوري وقوات الجيش السوري وعشائر عربية في معركة سُميّت بـمعركة "الوفاء للشهداء" التي انطلقت بتاريخ السادس والعشرين من ديسمبر 2013، حيث تمكّنت القوات المشتركة من السيطرة على تل براك في السابع والعشرين من ديسمبر، والسيطرة على تل حميس في الثامن والعشرين من نفس الشهر. وبالرغم من أن غالبية سكان تل حميس وتل براك هم من العرب، حيث لا يتمتع المكوّن الكردي ولا الآشوري بأي غالبية سكانية إلا في خمس قرى متفرقة، إلا إن القوات الكردية شاركت بفعالية في هذه المعارك، فقد هاجمت القوات الكردية تل حميس من الغرب والجنوب، بينما أكمل المجلس السرياني طريقه وفرض سيطرته على شرق البلدة وشمالها، دون علمٍ كاف من خصومه الجهاديين بأنهم يقاتلون مسيحيين سريان هذه المرّة وليس أكراداً فقط. ثم استمرت المعارك بعد ذلك، واستطاعت جبهة النصرة وأحرار الشام استعادة تل براك فيما بعد في يناير 2014، إلا إن القوات الكردية استمرت حتى أواخر فبراير 2014 في معركتها حتى فرضت سيطرتها على ريف الحسكة الجنوبي، ثم انسحبت من تل حميس وتل براك في مطلع مارس وسلمتها للعناصر المحلية، بما فيها عشائر موالية للنظام السوري (تقع عشيرة شمّر العربية التي تقاتل تحت اسم ميليشيا "الصناديد" على رأس العشائر المتحالفة مع الميليشيات الكردية).

وفيما انشغلت الكتائب الجهادية فيما بعد باقتتال داخلي عنيف في مركدة جنوب الحسكة ثم في دير الزور، كانت معارك تل حميس وتل براك هي أولى المعارك المهمة استراتيجياً وسياسياً للحزب الكردستاني الذي يريد تثبيت أركان إدارته الذاتية التي أعلن عنها في أراضي الجزيرة السورية.

أبرز نتائج معارك تل حميس وتل براك:

·       ظهور تحالف علني ما بين النظام السوري وقوات حزب العمال الكردستاني.

·       ظهور حزب العمال الكردستاني كقوة قادرة على صد "الخطر والتهديد"، وبروزه على الساحة كطرف فاعل قوي مستقطباً للأطراف الأضعف منه.

·       إعلان انضمام المجلس العسكري السرياني السوري رسمياً إلى قوات الحماية الكردية بتاريخ 14/1/2014 بعد أسبوعين فقط من بدأ العملية العسكرية، واعتبار المجلس قوات عسكرية تابعة للإدارة الكردية.

·       إقبال المكوّن الآشوري والسرياني على أطروحة ضرورة دعم قيام إدارة ذاتية كردية تضمن حق الوجود الآشوري في مقابل سلطة النظام السوري المنحسرة وخطر الجماعات الإسلامية، مما أدّى إلى زيادة موجات العسكرة داخل المكوّن الآشوري والسرياني بعد بروز حليف قوي جديد على الساحة.

·       استغلال الحزب الكردستاني والنظام السوري على حدٍ سواء الخطر المُشترك لتجنيد الآشوريين والسريان في صفوفهم بعد امتناعهم عن المشاركة العسكرية في الصراع.

·       تغذية شعلة الاقتتال الداخلي لمدة شهرين ما بين الكتائب الإسلامية في ظل الحصار المفروض من الحزب الكردستاني والنظام السوري.

·       تثبيت أركان "الإدارة الذاتية الديمقراطية" بكونها كياناً "مدافعاً" عن العرب والآشوريين دون انحصارها في الكرد.

·       فقدان الطرق والمناطق الاستراتيجية التي كانت ستؤدي إلى تحرير الشمال بشكلٍ تام.

·       انسحاب كتائب إسلامية من الجبهة الشرقية وتعزيز مناطق النفوذ الكردية والنظامية.

وأما بالنسبة للوضع في العراق، فمنذ سيطرة التنظيم على الموصل وفي بدايات شهر أغسطس 2014، هاجم تنظيم الدولة سهل نينوى شرق الموصل ومنطقة جبال سنجار غرب الموصل بالإضافة إلى قاطع ربيعة، في محاولة منه لفرض سيطرته على كامل منطقة نينوى وتأمين حدوده بعد هجومات البيشمركة الكردية المتكررة عليه، التي كانت تطمح للسيطرة على السهل والتعلل بأن بغداد عاجزة عن حمايته مما يعزز موقفها الطامح لضم السهل إلى الإدارة الذاتية. ولقد نجح التنظيم في فرض سيطرته على هذه المناطق ما عدا منطقة سد الموصل، فيما اعتبره باحثون انتكاساً وانهياراً غير مسبوق لقوات البيشمركة التي كانت تعمل على تأمين هذه المناطق.

 كانت معارك سهل نينوى وسنجار في العراق من أهم المعارك التي أثرّت بشكلٍ مباشر على الصراع العراقي، ومن أهم نتائج هذه المعارك:

·       إعلان تحالف عربي-دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم الدولة.

·       الدفع بالمكوّن الآشوري والسرياني نحو التسلح، إذ أُعلن بعد ذلك عن تشكيل قوات دويخ نوشا ووحدات حماية سهل نينوى وكتائب سهل بابل.

·       استغلال الحشد الشعبي وإقليم كردستان للفرصة بدعوة المسيحيين للتجنيد في صفوفهم.

·       الدفع بقوات الحماية الكردية السورية والمجلس السرياني للمشاركة في القتال في العراق خلال عمليات سنجار في ديسمبر 2014 المدعومة من التحالف الدولي.

ولأجلِ الأسباب الآنفة الذكر، تقبع معارك تل حميس وتل براك (سوريا) وسقوط سهل نينوى وسنجار (العراق) كنقاط حرّجة أثرّت بشكلٍ مباشر في سير الصراعين السوري والعراقي على مناطق الشمال، وعملت بشكلٍ فاعل على تحفيز المكوّن المسيحي للتسلح والتحول نحو الميليشاوية.

يتبع...

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أواصر اتفاقية استخدام محتويات الموقع
© Copyright 2026