مراجعة كتاب: انقلاب صامت كيف أطاحت الشركات بالديمقراطية
مقدمة
يشكّل كتاب «انقلاب صامت: كيف أطاحت الشركات بالديمقراطية» مساهمة نقدية عميقة في فهم التحولات التي أصابت بنية السلطة في النظام الدولي المعاصر. فمن خلال تحقيق استقصائي موثق، يكشف المؤلفان كيف تمدّد نفوذ الشركات العابرة للحدود ليطال مجالات القانون والاقتصاد والأمن، مؤثراً في القرار السيادي للدول. يعرض الكتاب مسارًا هادئًا لكنه متدرج لإعادة تشكيل مفهوم السيادة خارج الإطار الديمقراطي التقليدي. كما يسلط الضوء على الآليات القانونية والمالية التي مكّنت رأس المال المعولم من فرض قواعده فوق الإرادة الشعبية. بذلك يقدم العمل قراءة تحليلية تضع الديمقراطية الوطنية أمام اختبار غير مسبوق في مواجهة قوة الشركات.
الكاتب
سلمان بونعمان
وسوم
خصخصة العنف
السيادة الوطنية
انقلاب صامت
التحكيم الاستثماري
الشركات العابرة للحدود

انقلاب صامت: كيف أطاحت الشركات بالديمقراطية

المؤلفان: كلير بروفوست – مات كينارد

ترجمة: أيمن حداد

الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية - قطر.

الطبعة الأولى

السنة: 2024

عدد الصفحات: 464

مراجعة: د. سلمان بونعمان

 

 

يقدّم كتاب انقلاب صامت: كيف أطاحت الشركات بالديمقراطية لكلير بروفوست ومات كينارد تحقيقًا استقصائيًّا حول تحولات بنية السلطة الاقتصادية في العالم المعاصر، إذ تتبّع تمدّد نفوذ الشركات العابرة للحدود داخل مجالات القانون والاقتصاد والأمن. ويعتمد المؤلفان مادة توثيقية واسعة تجمع بين وثائق قانونية ومحاضر تحكيم وتقارير ومقابلات ودراسات حالة مع الاستناد إلى تقارير ووثائق رفعت عنها السرية، بما يمنح العمل طابعًا توثيقيًّا صادمًا للقارئ من حجم الحقائق التي يفضحها. لذلك يقلب هذا العمل السردية السائدة حول انتصارات الليبرالية ووعودها المزيفة بالازدهار الاقتصادي والتنمية العادلة، وبتحول العالم إلى عصر جديد لتعزيز الديمقراطية وتقوية السيادة الوطنية.

أولًا- ديمقراطية تحت رحمة الشركات

 يكشف الكتاب عبر الأدلة والتحقيقات أن العالم شهد انقلابًا ناعمًا من نوع خاص؛ انقلابًا لم تُطلق فيه رصاصة واحدة، ولم تتدخل فيه الدبابات لحل البرلمانات وإسقاط الهيئات المنتخبة، وإنما تم إنجازه بهدوء وبعيدًا عن الأضواء، وبأدوات قانونية ومالية وتنموية وأمنية تبدو في ظاهرها في خدمة الدولة وتنمية المجتمع، لكن المآل هو إسقاط سلطة الشعب ومؤسساته ومنحها للشركات الكبرى.

تتمحور أطروحة الكتاب حول انتقال مركز الثقل في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي من المؤسسات المنتخبة إلى شبكات شركات عابرة للحدود، عبر آليات قانونية وتمويلية وأمنية أعادت تشكيل مفهوم السيادة خارج الإطار الديمقراطي التقليدي. وقد اعتمد الكتاب لتأكيد فرضياته منهجية دقيقة من خلال إجراء عمل استقصائي معمق، استخدم فيه الرصد الموثق والمقابلات النوعية مع الاستناد إلى التقارير والوثائق المرفوعة عنها السرية.

تكمن أهمية هذا الكتاب في المستويات الآتية:

المستوى الأول: أنه ثمرة صحافة استقصائية وخبرة ميدانية جمعت وثائق وشهادات وملفات ومحاضر محاكمات وتحكيمات سرية، نقل فيها الكتاب أصوات مسؤولين حكوميين، ونشطاء بيئيين، ومحامين، وضحايا مباشرين لسياسات هذه الشركات المفترسة في بلدانهم. هذا الطابع الميداني يمنح العمل مصداقية عالية ويجعله مرجعًا مفيدًا لفهم ما يجري خلف الأبواب المغلقة في النظام الاقتصادي الدولي.

المستوى الثاني: أنه يكشف معطيات غير مسبوقة عن طبيعة الآليات التي مكّنت الشركات من بناء سلطتها الموازية وهيمنتها على القرار السيادي للدول، بدءًا بمحاكم تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول، التي يجسدها "المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار التابع للبنك الدولي (ICSID)" والتي تُمكّن المستثمر من مقاضاة الدولة المضيفة على سياساتها العامة وتوجهاتها الحمائية والقانونية وخياراتها السيادية، مرورًا ببرامج المساعدات التي تحولت إلى عقود مربحة للشركات، وصولًا إلى إنشاء مدن خاصة تُدار كما لو كانت إقطاعيات رأسمالية مستقلة عن الدولة، وانتهاءً بخصخصة العنف عبر جيوش الشركات.

المستوى الثالث: أنه لا يكتفي بتشخيص الأزمة، وإنما يُبرز ديناميات الصراع والمقاومة والتفاوض؛ حيث يرصد كيف واجهت مجتمعات محلية في السلفادور شركات التعدين، وناضلت نقابات عمالية في كمبوديا داخل المناطق الاقتصادية الخاصة، ناهيك عن أساليب اشتغال حركات مدنية وبيئية لفضح هيمنة الشركات على المساعدات واستغلال الموارد. وهكذا، يقدم الكتاب خريطة تفصيلية للصراع الدائر بين رأس المال المعولم والديمقراطية الوطنية والمجتمعات المحلية.

تسمح هذه المحاور بقراءة الكتاب بوصفه مساهمة تتجاوز سرد الوقائع إلى بناء تصور نقدي حول النيوليبرالية القانونية وحدود السيادة الوطنية في دول الجنوب، مع إبراز شبكة متداخلة تتقاطع فيها أدوات القانون والمال والأمن في إعادة توزيع السلطة والقوة داخل النظام الدولي.

يمكن القول بأن الكتاب يقدّم دليلًا استقصائيًّا متماسكًا على صعود منظومة قوة "فوق-دولتية" يقودها نموذج الشركات متعددة الجنسيات التي صارت فاعلًا دوليًّا مؤثرًا في سيادة الدول وأنظمتها الاقتصادية والسياسية، كما تعتبر أيضًا جزءًا قويًّا من بنية النظام الاقتصادي الدولي حيث تفرض هذه الشركات قواعد جديدة للقانون الدولي الاقتصادي وتسعى لتشكيل مفهوم العدالة وتوزيع الموارد، وإعادة تعريف السيادة ذاتها لتصير سيادة مستباحة. وفي هذا الإطار تكمن خطورة العمل وتبرز قيمته التي تتجاوز الاستقصاء الصحفي إلى الإسهام النقدي العملي في النقاش الأكاديمي حول النيوليبرالية والاستعمار الجديد وتحديات الهيمنة والتبعية والتحكم.

وإذا كان الكتاب يحكي قصة تغول الشركات الأجنبية العابرة للأقطار وفسادها، فإنه يضعنا أمام أطروحة تفسيرية تحاول تفكيك أسباب هزيمة الديمقراطيات الوطنية الناشئة، من خلال عمل انقلابي صامت قادته الشركات، استنادًا إلى نظام قانوني واقتصادي مركب تتداخل فيه الجوانب المالية مع الأبعاد الأمنية والسياسية والجيواستراتيجية. وهو نظام اقتصادي دولي مُصمَّم لحماية ربح الشركات وتعظيمه دون أدنى مراعاة لمصلحة البلدان المضيفة وشعوبها الفقيرة.

يسرد الكتاب قصصًا مثيرة ومؤلمة يفضح فيها الآليات المجهرية والإجراءات العملية التي اشتغلت بها المؤسسات والشركات والنخب في مرحلة "ما بعد الاستعمار" للتحكم في اقتصاد دول الجنوب، ومعاقبة من يتجرأ على مقاضاتها أو توقيف مشاريعها. وهو في الجوهر صيغة استعمار ناعم بلا دبابات وجيوش، لكن سياساته تخترق المجتمعات والدول وتستغل ثرواتها وتدمر آمالها في تنمية مستقلة وديمقراطية وطنية وريادة حضارية.

يكشف الكتاب عددًا من المعطيات غير المسبوقة حول توظيف الشركات لمحاكم موازية للتحكيم (ISDS) لابتزاز الدول وإخضاعها واستغلال خيراتها؛ ويبين كيف تتقاطع المساعدات والتنمية مع مسلسل الأرباح الخاصة؛ وكيف يتم تحويل "المناطق الاقتصادية الخاصة" إلى فضاءات شبه سيادية بيد المستثمرين؛ ثم يشرح مخاطر تمدّد مؤسسات الأمن الخاص وخصخصة العنف لخدمة مصالح الشركات. هذه الخيوط المتشابكة، حين تُقرأ وفق رؤية شمولية، تُظهر انقلابًا صامتًا أطاح بجزء كبير من وظائف السيادة والرقابة والديمقراطية.

لقد حلمت شعوب الجنوب بأن جهودها التحررية في تحصيل الاستقلال ستقود إلى بناء دول وطنية ذات سيادة حقيقية وقرار مستقل، في حين تكشف الوقائع أن هذه الشركات العالمية وبدعم من البنك الدولي وما أنتجه من مؤسسات وساطة ومراكز تحكيم وأطر قانونية، أنشأت هياكل موازية غرضها نزع السيادة عن الحكومات الوطنية وتفكيك قرارها الوطني، وفرض منطق السوق عليها. ومن ثم يشير الكاتبان إلى أنه بعد الحرب الباردة، لم يحصل "بعثٌ للديمقراطية"، وإنما منحت المؤسسات المالية الدولية امتيازات للمستثمر الأجنبي على حساب الإرادة الشعبية، من خلال توظيف بنية قانونية ومالية وأمنية عابرة للحدود مكّنت الشركات من تسييد قواعدها فوق مؤسسات الديمقراطية الوطنية، مقابل إقصاء المحاكم الوطنية والرقابة البرلمانية. ويقدّم الكتاب هذه التحولات بوصفها مسارًا تراكميًّا هادئًا، يتقدّم دون ضجيج انقلابي مباشر، لكنه يفضي إلى نتائج عميقة على مستوى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ثانيًا- من الامتيازات الاستعمارية إلى التحكيم الاستثماري

وانطلاقًا من هذه الأطروحة، ينتظم الكتاب في أربعة أقسام كبرى، يعالج كل واحد منها إحدى الآليات التي مكّنت هذا التحول من تشكيل بنية عالمية موازية تُقَلِّص فرص بناء الديمقراطية داخل الدول، وذلك عبر أربع منظومات مترابطة:

يعالج القسم الأول من الكتاب مسألة المنظومة القانونية التي طورتها الشركات (Corporate justice) بوصفها مدخلًا لفهم سبل انتقال قوة القرار من المجال الديمقراطي إلى منظومة تقاضٍ استثماري عابر للحدود، تُتاح فيها للشركات آليات قانونية لمواجهة سياسات الدولة عندما تمس أرباحها. يقدّم المؤلفان قضية شركة باسيفيك ريم (Pacific Rim) ضد حكومة السلفادور المعروضة داخل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) التابع لمجموعة البنك الدولي، وهو مثال عملي على طبيعة اشتغال هذه المنظومة.

تبني شركة "باسيفيك ريم" دعواها على سردية "التشجيع ثم المنع"، حيث تشجع الدولة عمليات التنقيب عن الذهب ثم تمنع الاستخراج بعد العثور عليه، لذلك تطالب حكومة السلفادور بتعويض عن تكاليف الاستكشاف وخسارتها لأرباح مستقبلية مفترضة. في المقابل ارتكز دفاع حكومة السلفادور على معطيات قانونية ومجتمعية، مشيرًا إلى أن الشركة لا تمتلك التصاريح البيئية الرئيسة اللازمة لبدء الحفر، ولا تتوفر على إثبات امتلاك حقوق كامل الأراضي المطلوبة، فضلًا عن وجود مزارعين محليين رفضوا بيع أراضيهم.

استمر هذا النزاع المرتبط بمنجم "إل دورادو" من عام 1999 حتى نهاية 2016. وقد انتهت القضية بتأييد هيئة التحكيم لموقف السلفادور، وإلزام الشركة بدفع 8 ملايين دولار لتغطية جزء من التكاليف القانونية التي تحملتها الدولة. غير أن الكتاب يلفت الانتباه إلى مفارقة "الكلفة" التي تظل قائمة حتى بعد الحكم، فقد كلّف دفاع حكومة السلفادور 12 مليون دولار، مما جعل الحصيلة الواقعية عبئًا إضافيًّا قدره 4 ملايين دولار، مع انتظار سنة أخرى حتى تدفع الشركة المبلغ المحكوم به. ومن ثم يصبح المدى الزمني الطويل والكلفة المالية عنصرًا حاسمًا في وظيفة هذا النظام التحكيمي، حيث حدث استنزاف لسنوات وإهدار لطاقات وموارد من جهاز الدولة، ضمن تكاليف كان بالإمكان توجيهها إلى دعم المجتمعات المحلية وحماية البيئة. وبعد انتهاء هذه القضية اتجهت السلفادور إلى خطوة تشريعية حاسمة بتمرير قانون وطني يحظر تعدين المعادن حظرًا شاملًا سنة 2017.

من خلال هذا المثال ينتقل الكتاب إلى خلاصة أولية يؤكد فيها بأن النظام الدولي للفصل في المنازعات بين المستثمرين والدول، يمنح الشركات أدوات للاعتراض على إجراءات الحكومات عبر العالم، ويجعل سياسات حماية البيئة والمجتمعات أكبر كلفة في التنفيذ، وأكثر عرضة للتأجيل تحت ضغط التقاضي والتعويضات.

يُبرز المثال السابق وظيفة الردع من خلال آليتي الزمن والكلفة، ثم ينتقل الكتاب إلى حالة تمس سياسات جبر الضرر وإعادة التمكين، بما يكشف قابلية آليات التحكيم للاشتغال ضد برامج العدالة الانتقالية. يطرح المؤلفان قضية أكثر حساسية رمزيًّا وسياسيًّا، حيث تُستدعى هذه المرة آليات التحكيم الدولي في مواجهة سياسات ما بعد الأبارتهايد الساعية إلى جبر الضرر ومعالجة المظالم. يسجل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في هذا السياق تعدد المدعين، وهم أفراد من عائلتي فورستي وكونتي الإيطاليتين، إلى جانب شركة (فينستون) المسجلة في لوكسمبورغ. وقد تفجر النزاع عقب إصلاحات قانونية في قطاع التعدين بجنوب أفريقيا ألغت عمليًّا ترتيبات الحقوق السابقة، وربطت استمرار النشاط باشتراط شراكات داخل القطاع مع حصة إلزامية قدرها 26% من الملكية لفائدة الجنوب أفريقيين السود داخل شركات التعدين.

لقد أثار هذا الشرط غضب المستثمرين فطعنوا في سياسات جنوب أفريقيا الرامية إلى تصحيح اختلالات الحقبة العنصرية، واعتبروا أن سياسات "التمكين الاقتصادي للسود" غير منصفة ومساس عملي باستثماراتهم، مطالبين بتعويض يفوق 350 مليون دولار. ويلفت الكتاب الانتباه إلى ضعف التغطية الصحفية الدولية لهذا الحدث، وإلى اتجاه رسمي لضبط الملف بعيدًا عن النقاش العام، بينما سعى المجتمع المدني المحلي إلى المشاركة فاقتصر حضوره على مذكرات مكتوبة دون حضور الجلسات. وكانت حصيلة هذا المسار توقف الدعوى القضائية بسبب صفقة بين الأطراف خارج مسار المحكمة، أتاحت للمستثمرين نقل 5 % فقط من الملكية إلى جنوب أفريقيين سود بدل نسبة 26 % التي فرضها القانون الجديد.

وتشير الوثائق التي اطلع عليها الكاتبان إلى أن المستثمرين طلبوا إيقاف الدعوى مع إلزامهم بدفع جزء من التكاليف القانونية، ثم صدر بيان حكومي قدم النتيجة بوصفها نهاية ناجحة للنزاع. غير أن أرقام الكلفة تكشف محدودية مساهمة المستثمرين قياسًا بما تحملته دولة جنوب إفريقيا من رسوم قانونية من المال العام قبل أن تتجه لاحقًا إلى مراجعة بعض معاهداتها الاستثمارية وبدء إلغاء عدد منها. ويصف محامو المستثمرين ما جرى بكونه استثناءً لم تحظَ به شركة تعدين أخرى منذ دخول نظام التعدين الجديد، رغم أن البيان الحكومي أخفى حقيقة التسوية وتفاصيل الصفقة، مرجعًا ذلك إلى خوف السلطات من سيل دعاوى مماثلة ورغبتها في إنهاء الملف سريعًا.

يُوظّف الكتاب في محور “ماجنا كارتا رأسمالية” مثال تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، بوصفه حدثًا مفصليًّا في ميلاد منطقٍ دولي يربط حماية الاستثمار بإرادة القوة ومصالح الشركات. فعندما رفعت السرية عن وثائق رسمية لهذه الحالة، افتضح أمر تداخل مصالح الشركات بالمصالح الاستراتيجية للدول التي تنتمي لها، حيث يؤكد الكتاب تأثير شركات نفط فرنسية وبريطانية في قرار الحرب على مصر من أجل إبقاء القناة ضمن دائرة السيطرة الغربية. ومن ثم كان الرد على القرار السيادي المصري بالتأميم عن طريق توظيف أدوات التدخل العسكري المباشر. داخل هذا المنظور تتخذ حماية المستثمرين الأجانب استراتيجية ثابتة عند تهديد الامتيازات، فتعمل القوة المفرطة آلية للتحكم والسيطرة، ويُستثمر الخطاب القانوني الدولي لتوفير غطاء معياري يبرّر إعادة ترتيب المجال السيادي حين يمس القرار الوطني مصالح رأس المال. بهذه القراءة يصوغ الكتاب معنى سياسيًّا أوسع لانتهاك سيادة الدول؛ وذلك عند نقطة التماس بين حق الدولة في تقرير مصير مواردها وثرواتها وبين منظومة حماية الامتيازات التي تمتلك القدرة على تحويل الاقتصاد إلى قضية أمن، والاستثمار إلى سببٍ لتعبئة القوة.

يخلص القسم الأول إلى أن منظومة التحكيم الاستثماري تنتج “تأديبًا” قانونيًّا طويل الأمد للدول، فتُستنزف الموارد، ويتعطل التنفيذ، وتُعاد صياغة السياسات تحت ضغط التعويضات المحتملة. ومن ثم يشتغل “قضاء الشركات” باعتباره آلية انقلاب قانوني هادئ، وسلطة موازية تتحكم في القرار السياسي للدول.

ثالثًا- سوق الكوارث: حين تتحول المساعدة إلى إعانة للشركات

يناقش القسم الثاني فكرة “نظام إعانات للشركات”، حيث تتحول ميزانيات المساعدات الإنسانية وبرامج التنمية إلى قناة تمويل عالية الاستقرار لمجموعة واسعة من الشركات، ضمن خطاب أخلاقي يمنح النشاط الربحي شرعية إنسانية. ويبيّن الكتاب أن زبائن هذا القطاع يضمون وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي ودوائر حكومية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بما يخلق فرصًا تجارية مرتبطة بوظائف الأمم المتحدة في حفظ السلام والإغاثة أثناء المجاعات والكوارث، وبحاجيات مخيمات اللجوء من التموين والخدمات الأساسية.

 ويقدّم المؤلفان مثال معرض المساعدات AidEx بكونه فضاء للتشبيك والتسويق، تلتقي فيه الشركات بمؤسسات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية ووحدات حكومية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وذلك ضمن منظومة إنفاق ضخمة تتيح للشركات عرض خدماتها بوصفها استجابة "فعّالة" للأزمات. وفي ضوء ذلك تغدو أعمال الأمم المتحدة سوقًا مضمونة التمويل، وتتكوّن تجارة تقوم على الكوارث، ومع تخصيص الاعتمادات المالية قبل إسناد العقود، تتحول المساعدات وبرامج التنمية إلى تمويل ناعم ومضمون ومنتظم يعزز القوة الاقتصادية للشركات ويعمق نفوذها، فتتشكل تجارة قائمة على الكوارث تُعمّق نفوذ الشركات وتعيد توجيه أولويات الفعل الإنساني والتنمية.

وهكذا يشرح هذا القسم أن المساعدة تتحول إلى اقتصاد تعاقدي واسع، حيث تعمل اللغة الأخلاقية غطاء معياريًّا لإسناد عقود مربحة، فتتقدم حسابات السوق داخل المجال الإنساني وتزداد قدرة الشركات على التحكم في أولويات التدخل.

رابعًا- فضاءات الاستثناء بوصفها انقلابًا جغرافيًّا

يعرض القسم الثالث مفهوم "يوتوبيا الشركات" بوصفه صناعة لـ“فضاءات الاستثناء” داخل الدول. تتمثل الرؤية الناظمة لهذا المحور في أن الشركات تبني مجالًا خاصًا بها داخل السيادة الوطنية، عبر اقتطاع أجزاء من الإقليم تُدار بمنطق الامتياز والاستثناء، وذلك من خلال قواعد تنظيمية مرنة، وامتيازات ضريبية بالإضافة إلى رقابة أضعف، وسرعة في منح التراخيص. وبهذه الهندسة تظهر داخل الدولة بيئات أعمال مغايرة لما يسري خارجها، فتتوزع السلطة بين قانون عام مؤطر للمجتمع، وقواعد استثنائية موجّهة للمستثمر، وتتحول السيادة إلى شبكة مناطق متفاوتة في الحقوق والواجبات.

يتحدث الكتاب عن تشكّل “فضاءات الاستثناء” داخل السيادة الوطنية من خلال رصد ثلاثة نماذج مترابطة:

 النموذج الأول هو المناطق الاقتصادية الخاصة؛ وهي مساحات جغرافية محددة داخل الدولة تُطبق فيها قوانين أعمال مغايرة للقواعد العامة، خصوصًا فيما يرتبط بالضرائب والجمارك وشروط الاستثمار، مع وعود عمالة "رخيصة ومنضبطة" وترويج مؤسسي يشارك فيه البنك الدولي وذراعه مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، ويبيّن الكتاب كيف يتوسع هذا النموذج من مجرد حوافز إلى شكل من أشكال الملكية الخاصة والإدارة التجارية للمجال، بحيث تُدار المنطقة بوصفها مشروعًا قائمًا بذاته. وفي هذا السياق تأتي قصة ميانمار مثالًا ميدانيًّا يشرح طرق اقتطاع الأرض وتخفيف القواعد وإعادة تعريف السكان باعتبارهم عائقًا إداريًّا داخل مشروع يُسوَّق بوصفه تحديثًا واستثمارًا. ويستحضر الكتاب أيضًا شانون الإيرلندية بوصفها اختراعًا مبكرًا لنموذج المنطقة الخاصة؛ حيث تتقدم جاذبية الاستثناء على حصيلة العدالة الاجتماعية، ثم تنتقل الصيغة عالميًّا باعتبارها حلًا جاهزًا.

النموذج الثاني هو المدن الخاصة؛ حيث تُدار المدينة بعقلية الشركة لا بمنطق تدبير البلديات المحلية، ويقدم نموذج "لافاسا" في الهند صورة مكثفة لهذا التحول، فقد كانت أول مدينة في البلد بنتها شركة وتديرها إدارة كاملة، وهي تقع خارج حدود مومباي وعلى مسافة 900 كيلومتر، وقد كلف ذلك 30 بليون دولار للصناعي البليونير "أجيت غولابتشاد"، وستتكفل الشركة بإدارة المدينة، فبدلًا من عمدة أو رئيس بلدية منتخب، ثمة مدير للمدينة يعينه مجلس إدارة "شركة لافاسا المحدودة المسؤولية"، وتُمنح له صلاحيات واسعة تتعلق بالحق في إخلاء أي سكن وفرض الضرائب وتحديد استخدام الأراضي وتصميمها وتغيير هيئة التحكيم وتغيير القواعد السارية، وفي الوقت نفسه منع حقوق الساكنة في الاعتراض على هذه العمليات، مع تسويق المدينة بوصفها مجالا للخدمات العالية الجودة على كافة المستويات. هنا يشتغل المثال لإيضاح استراتيجيات انتقال السيادة من نموذج الحكم المحلي المنتخب إلى نموذج الإدارة التعاقدية، فتتحول الحقوق الحضرية إلى شروط استعمال داخل مشروع استثماري. إنه نموذج لمدينة يتم تدبيرها عبر شركة تتولى التنظيم والخدمات والتخطيط وتحديد استعمالات الأرض وفق سلطة تعاقدية، مع مركزية القرار في مجلس إدارة بدل آليات التمثيل المحلي. ومن ثم يوضح هذا المثال تحول الحقوق الحضرية إلى شروط استعمال داخل مشروع استثماري، وانتقال المجال الحضري إلى بنية تدبير مرتبطة بمنطق الربح والتعاقد.

أما النموذج الثالث فيتصل بالملاذات المالية، وهي ترتيبات تقوم على أن يقدّم بلد أو جزيرة نظامًا ضريبيًّا وتنظيميًّا وتسهيلات تسجيل تجعل الشركات تُنشئ حضورًا شكليًّا قانونيًّا على الورق، مع استمرار النشاط الفعلي في بلد الإنتاج. ضمن هذا الإطار تتوفر للشركات “صناديق بريد” وهياكل قابضة ومسارات لتحويل الأرباح وتخفيض العبء الضريبي، فتتحول القيمة المتولدة في أرض الإنتاج إلى عائد يُسجَّل ويُدار خارجها، وتضعف قدرة الدولة المنتِجة على الرقابة والتحصيل.

ويورد الكتاب مثال شركة "ملاوي مانغوس" لتوضيح كيف تُقدَّم جزيرة موريشيوس داخل “نظام الأعمال العالمي” باعتبارها عقدة قانونية ومالية تُستخدم لتأسيس كيانات وسيطة و“شركات صندوق بريد”، بما يخفّض العبء الضريبي ويعيد توجيه العائد خارج البلدان التي يجري فيها الإنتاج الفعلي. وبهذا يتحدد جوهر الملاذ المالي بوصفه نظامًا قانونيًّا وقضائيًّا يوفر ترتيبات ضريبية وتنظيمية جذابة لجهات غير مقيمة فعليًّا، ويُيسّر هيكلة الملكية والعقود والضرائب عبر شركات واجهة. وتظهر النتيجة في اتساع الفجوة بين جغرافيا الإنتاج وجغرافيا تسجيل القيمة والعائد.

بهذا المعنى يقصد الكتاب بتشكل الفضاءات الخاصة للشركات نشوء جيوب امتياز داخل الدولة، يجري فيها إعادة ترتيب علاقة القانون بالأرض والناس وبالعمل وفق منطق الاستثمار. داخل هذه الجيوب تتبدل القواعد الإجرائية والضريبية والتنظيمية، وتتكوّن بيئة تدبير مغايرة للبيئة العامة، فتظهر السيادة في صورة توزيع عملي بين دولة تؤطر المجال العام، وفضاءات شركاتية تمارس نفوذًا تنظيميًا واقتصاديًّا داخل الإقليم. وتشتغل هذه الفضاءات بوصفها مناطق استثناء تُدبر بقواعد تختلف عن القواعد السارية خارجها، مع قابلية عالية للتوسع والنسخ.

ومن ثم يكتسب “الانقلاب الصامت” بعدًا جغرافيًّا مباشرًا يتشكل عبر القانون والتمويل معًا، ويترسخ كذلك من خلال إعادة تشكيل المجال نفسه. فحين يُعاد تقطيع الإقليم إلى مناطق خاصة ومدن مُسيرة كشركات وملاذات مالية، وعليه تتغير خرائط السلطة داخل الدولة، وتتحول السياسات العامة إلى تفاوض دائم مع جيوب امتياز تمتلك أدوات جذب المستثمر وفرض شروطه.

خامسًا- اقتصاد الخوف: جيوش الشركات وإعادة توزيع العنف داخل الدولة

يضعنا القسم الرابع “جيوش الشركات” أمام تحول نوعي في مسار الانتقال من عالم التحكيم والتمويل والتدبير إلى مجال القوة والتحكم، حيث يصير العنف والخوف والحراسة وإدارة الحدود عناصر مركزية في صناعة الاقتصاد السياسي للشركات. وتوظف أمثلة هذا القسم لإبراز آليات تحول النفوذ الاقتصادي إلى السلطة بوصفها تدبيرًا يوميًّا يرتكز على عقود وخدمات وأجهزة.

يعرض الكتاب "كولومبيا" مثالًا على العنف المفوّض في بيئات النزاع، إذ تعمل شركات كبرى في الزراعة الاستخراجية أو التعدين داخل بيئات نزاع، فتدخل في علاقة مع جماعات مسلحة من بوابة الحماية وتأمين التشغيل، ثم ينتهي الوضع إلى ترهيب المجتمع المحلي وكسر التنظيمات النقابية، وتطبيع مسارات الإفلات من العقاب. من الوقائع الأكثر دلالة في هذا السياق ما ارتبط بشركة موز أميركية أقرت أمام القضاء الأميركي بدفع أموال لجماعة كولومبية مصنّفة إرهابية، ووافقت على غرامة قدرها 25 مليون دولار؛ وهو ما يوضح كيف تتحول المدفوعات إلى تكلفة تشغيل داخل اقتصاد الخوف، حتى عندما تحمل شكل رسوم حماية أو أمن.

وفي حالة "هندوراس" ينتقل الكتاب إلى حالة أشد تعقيدًا لأن مؤسسة التمويل الدولية (IFC) موّلت شركة “دينانت” بقرض مقترح قيمته 30 مليون دولار، ثم ظهرت حول مزارع الشركة في وادي أغوان شكاوى ونزاع أرضي واتهامات عنف ووجود أمن خاص في محيط نشاطها، على إثر ذلك دخلت القضية مسار الرقابة داخل مجموعة البنك الدولي من خلال مكتب مستشار الامتثال وأمين المظالم الذي خلص في تقارير التدقيق إلى قصور في العناية الواجبة والرقابة وضمان استيفاء التزامات الحماية في بيئة مخاطر متدهورة، بما يجعل التمويل نفسه جزءًا من معادلة القوة على الأرض لا مجرد تمويل اقتصادي محايد.

كما يتوقف المؤلفان عند فلسطين المحتلة بوصفها مجالًا تتكثف فيه علاقة الاستثمار بهندسة السيطرة، حيث تتحول الحدود والمعابر والأسوار ونقاط التفتيش إلى بنية تشغيلية قائمة على عقود الأمن والتكنولوجيا والخدمات. ويتوسع حضور جهات أمنية خاصة ضمن ترتيبات تفويضية، وتتقدم الشركات داخل البنية الاستيطانية عبر البناء والخدمات والصيانة والتسويق، في هذا النسق تصبح “الحدود” بنية اقتصادية قائمة بذاتها، تتغذى من عقود الأمن والتكنولوجيا ومن خدمات المراقبة والإدارة، وتحوّل السيطرة الميدانية إلى سلسلة أعمال متنامية داخل الإقليم.

يضع الكتاب صعود شركات الأمن الخاصة داخل سياق أوسع يسميه: "الإمبريالية غير الرسمية"، وهو نمط نفوذ عابر للحدود يعمل عبر العقد والتمويل والخبرة الأمنية بدل الحكم الاستعماري المباشر. ضمن هذا الأفق تتغير وظيفة الأمن من اختصاص سيادي إلى مجال خدمات يتوسع مع الأزمات والحروب والتدخلات، فتتشكل جماعات من “المحاربين الشركاتيين” تعمل بعقود وتتحرك وفق الحاجة السياسية والأمنية، وحيث تُدار المخاطر بوصفها سوقًا. هنا يلتقي تعريف الدولة عند ماكس فيبر-احتكار العنف المشروع- مع واقع جديد يعيد توزيع أدوات الإكراه بين الدولة وشبكات متعاقدين من القطاع الخاص، فتتسع الحماية المأجورة داخل الحياة اليومية، وتظهر الفجوة بين من يملك القدرة على شراء الحماية ومن يعيش شروط انتظارها. ومن ثم فإن صعود شركات الأمن الخاصة يدفع الاحتكار المشروع للعنف الذي تمتلكه الدولة نحو توزيع عملي جديد للقوة داخل المجتمع.

ويعرض الكتاب نموذج “المرتزق المعاصر” لتوضيح كيفية انتقال العنف من احتكار الدولة إلى سوق الخدمات، فيعطي مثال تعاقد وزارة الخارجية الأميركية مع شركة أمنية خاصة للمساهمة في بناء قوة مسلحة جديدة في ليبيريا. ويوضح هذا المثال أن الدولة لم تعد وحدها الصانع للجيش بوصفه مؤسسة سيادية، وإنما تظهر إمكانية “تفويض” وظيفة من أخطر وظائفها إلى متعهدين/مستثمرين، وفق منطق إدارة ومؤشرات وتسليم مهام، بما يحوّل الأمن إلى مشروع قابل للتفويض، ويجعل القرار السيادي مشروطًا بعلاقات تعاقدية تميل بطبيعتها إلى السرية وغياب المساءلة. وقد يصل الأمر إلى استعانة شبكات إجرامية بخدمات أمنية احترافية لهذه الشركات، وحين تعمل شركات مسلحة ضمن اقتصاد عالمي، تتغير موازين السلطة ومن ثم تتسع قدرة الفاعلين غير الدوليين على فرض قواعدهم، وتصير السيادة موزعة بين دولة رسمية ومراكز قوة تعاقدية، بما يستدعي عند المؤلفين صورة “القرون الوسطى الجديدة” التي تتداخل فيها سلطات متعددة داخل الإقليم نفسه (جهات فاعلة من غير الدول مع سلطة الدولة).

يخلص هذا القسم من الكتاب في تحليله إلى أن خصخصة العنف تنقل السياسة من مجال المؤسسات إلى مجال القوة اليومية، حيث يظهر فاعلون من غير الدول يمتلكون أدوات إكراه تتقاطع مع وظائف الدولة الأصلية وتزاحمها في احتكار العنف. في هذا الإطار تصير شركات الأمن الخاصة وسيطًا يبيع “الحماية” ويدير “المخاطر” بعقود، فتتشكل بنية قوة تتجاوز الحراسة التقنية إلى إنتاج وقائع سياسية على الأرض. وبناء عليه، يربط الكتاب خصخصة العنف بما يسميه “الانقلاب الصامت”، إذ لا يحتاج تقويض الديمقراطية دائمًا إلى دبابة في الشارع، لأن إزاحة الإرادة الشعبية قد تمر عبر شبكات مصالح تتقن العمل خلف الستار. يشير المؤلفان إلى سوابق تاريخية تمثلها شركة “يونايتد فروت” في غواتيمالا، حيث تداخلت المصالح التجارية مع ترتيبات سياسية أطاحت بقيادات منتخبة اصطدمت بمصالح رأس المال. كما يتوقفان عند أميركا اللاتينية بوصفها فضاء تتكثف فيه صلات الشركات، خصوصًا في الزراعة الاستخراجية والتعدين، ببيئات عنف استهدفت نقابيين وناشطين وقامت بانتهاكات لحقوق الإنسان، فغدت “الحماية” في بعض السياقات غطاءً لعنف يشتغل لإعادة ضبط العمل والأرض والاحتجاج.

وخلاصة هذا المسار أن خصخصة العنف تقرّب القرار الأمني من السوق، وتُبعده عن الرقابة البرلمانية والمدنية، فتتسع مساحة القوة غير المنتخبة داخل المجتمع، ويتحول الخوف إلى مصدر للشرعية ومورد اقتصادي، وتغدو الديمقراطية أضعف كلما استقر العنف داخل منظومات تعاقدية تتغذى من السرية وتقاوم المساءلة. ومن ثم يتبلور ما يسميه الكتاب “جيوش الشركات” حيث يتحول الأمن القومي إلى مجال تعاقد، فتدخل وظيفة الحماية في منطق السوق. عندئذٍ تصبح إدارة الخوف موردًا اقتصاديًّا، وتتحول التقنيات الأمنية والحدودية إلى منتجات وخدمات، وتنتقل صناعة القرار من النقاش العمومي إلى غرف الصفقات والمؤشرات والتقارير التشغيلية. بهذا التحول تتغير طبيعة السلطة ومضمونها وتحجب عنها أسئلة الشرعية والغاية وحقوق الإنسان.

يعرض الكتاب ثلاثة آثار كبرى لهذا النموذج على السيادة والديمقراطية:

تجزئة السيادة داخل الإقليم: حيث نكون أمام مناطق محمية بالحراس، وحدود تُدار بمنظومات متعاقدين، ومؤسسات حساسة تُشغَّل عبر شركات ومقاولات، فتصير وظائف الدولة مسارات خدمة وتوريد.

تحول منطق المساءلة: لأن القرار الأمني والحدودي يصدر عن شبكات تعاقد وتقارير داخلية ومؤشرات أداء، الأمر الذي ينتج عنه تراجع رقابة البرلمان والرأي العام أمام إدارة تعتبر المعلومات أصلًا تجاريًّا وتتعامل معها بمنطق السرية المؤسسية.

أمننة الصراع الاجتماعي: حيث تتأطر نزاعات الأرض والعمل والبيئة داخل بنيات وقوالب الحراسة والردع، وتُصاغ بميزان قوة يميل إلى من يملك أدوات الأمن، مع اتساع مسارات الإفلات من العقاب في بيئات التوتر.

خاتمة

لقد كشف الكتاب تحولًا استراتيجيًّا في وظائف الشركات الأجنبية داخل الدول، حيث صارت بنية موازية، أو دولة عميقة داخل الدولة يمكن اعتبارها شبكة تعاقد ومعايير وتمويل وحماية، تتوفر على نفوذ خارج قنوات المساءلة العمومية، وتعمل وفق منظومة متكاملة لممارسة سلطتها التحكمية، من خلال منظومة قانونية استثمارية عابرة للحدود تقيد القرار السيادي، وتمويلات تتخفى وراء خطاب التنمية، وأمن خاص يحوّل الخوف إلى مصدر للتعاقد. وفي ظل هذه التفاعلات تتشكل سلطة اقتصادية-سياسية تفرغ الديمقراطية من مضمونها التاريخي والحضاري والتحرري لتكون في خدمة منطق الربح، بدل أن تظل إطارًا ناظمًا ومُؤسسًا للإرادة العامة والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة.

تشتغل هذه البنية وفق مسار ناعم ومتدرج يخترق كل مجالات السيادة الوطنية. وداخل هذا البناء الموازي تعمل شبكات التواطؤ البنيوي بوصفها نسقًا من الهيمنة والفساد والزبونية داخل الاقتصاد السياسي العالمي؛ حيث تلتقي مصالح شركات عابرة للحدود مع نخب محلية ومكاتب محاماة وخبراء وممولين وشبكات وساطة، وذلك عبر قنوات تبدو تقنية وقانونية ومحايدة، لكنها تُنتج عمليًّا انحيازًا ثابتًا لمصالح الشركات. إنه تواطؤ قانوني تصوغه المعاهدات ومسارات التحكيم، وتواطؤ مالي تدعمه آليات التمويل والملاذات، وتواطؤ أمني يتجلى في الحراسة والحدود والعسكرة؛ وبهذا تتقلص الديمقراطية، بينما تتحرك السلطة الفعلية داخل شبكات تعاقدية تتقن التخفي وراء اللغة التقنية وحجج السرية، فتزداد كلفة القرار العام، وتضعف أدوات المساءلة، وتتفاقم هشاشة العدالة الاجتماعية أمام منظومة يصعب إدخالها تحت رقابة الإرادة الشعبية والرأي العام.

الخلاصة أن السيادة يعاد تعريفها عمليًّا، لتصبح قدرة الدولة على التفاوض داخل شبكات تعاقد شركاتية مركبة، لا بوصفها قدرة على التشريع وإنتاج القرار والسياسات الخارجية وبسط النفوذ في الإقليم تحت رقابة الإرادة الشعبية. وبهذا المعنى، يمنح الكتاب إطارًا تفسيريًّا عمليًّا لفهم طرق صناعة السلطة والهيمنة في النظام الاقتصادي الدولي المعاصر. كما يفتح هذا الموضوع أسئلة بحثية حول آليات إخضاع الشبكات الشركاتية العابرة للحدود لمعايير الشفافية والمساءلة، وحدود قدرة دول الجنوب على استعادة السيادة دون دفع كلفة تقاض وتمويل وأمن تُصمَّم خارج المجال الوطني.

جميع الحقوق محفوظة لمجلة أواصر اتفاقية استخدام محتويات الموقع
© Copyright 2026